بمعنى أنّ صاحبه لا يرى لنفسه ملكا في الدنيا والآخرة ، فكلّ منسوب إليه من الزهد ، والصبر ، والتوكّل ، والرّضا ، والمحبّة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، بل الوجود والذات لا يراه له ، وهذا الفقير لو قدّر له التصرّف في جميع الدنيا لا يقدح في فقره .
وقوله : ( الفقر بحر البلاء ) ، يمكن حمله على الفقر العامّ والخاصّ .
فعلى الأوّل : معناه الاحتياج إلى الغير بحر البلاء ؛ لأنّ المحتاج في وجوده إلى موجد ، يكون مأمورا تحت تصرّفاته وتقليباته ، ولا يثبت له وجود بالذات ، والعلم كالسفينة يمسكه عن الغرق ، حتى إذا جاء موج الوجد أغرق سفينة العلم ، وما يمسكها من الوجود ، واستهلك الواجد في الموجود ، ونجا من بحر البلاء .
وعلى الثاني : أنّ الفقر الرسميّ بلاء من اللّه تعالى ، ليبلو عبده بذلك أيصبو إليه ويتوكّل عليه ، أم لا ! والعلم بأنّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
[ الذّاريات : الآية 58 ] سفينته ، تنجيه من الغرق في بحر البلاء للاهتمام بالرزق ، ويحتاج إلى هذه السفينة ما لم يتلاطم البحر ، ولم يدركه موج الوجد ، فإذا جاء الوجد وأغرق السفينة ، واستغرق الواجد في الموجود ، لم يحتج حينئذ إلى حفظ العلم إيّاه ، بل ينجو من الفقر ، ويصير غنيّا باللّه سبحانه .
وقال : ( الفقير الخالص ، الذي لا يبقى عليه من موافقة الحقّ في حقيقة فقره ، إلّا مباينة اسمه من اسمه ) .
أقول : يعني الفقير الحقيقيّ هو الذي يتخلّق بجميع الأخلاق الربّانية ، ويوافق الحقّ في كل اسم وصفة ، إلّا في اسمه الخاصّ ، الذي يتميّز به الواجب عن الممكن ، ولا مشاركة له فيه أبدا ، وكلّ ما سواه فقير إليه ، وإنّما يكون الفقير الحقيقيّ كذلك ؛ لأنّه فان عن وجوده بالكلّية ، باق ببقاء الحقّ بعد الفناء .
فإن قيل : استثناء اسم الغنيّ خلاف قول المحقّقين ؛ إذ الإنسان تصلح فطرته للتسمّي بجميع الأسماء الإلهيّة .