وقال : ( الدخول في المقامات بغير الإذن عمل السرّاق ، فإذا أخذوا قطع أيديهم ) .
أقول : القائمون في الأشياء باللّه وللّه من أهل القرب ، لا يدخلون في شيء من المقامات إلّا بإذن اللّه سبحانه ، فلو دخلوا في مقام التصرّف في الخلق لا بإذن منه ، قطع الأيدي منهم ، قال تعالى في حقّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
( 45 ) [ الحاقة : الآيتان 44 ، 45 ] ، إشارة إلى أنّه متصرّف باللّه ؛ لصدقه في دعوة النبوّة وما أخبر عنه ، ولولاه لما كان متصرّفا بالحقّ ، بل مأخوذا منه باليمين ، التي هي صورة الصدق .
قال : ( رأيت هلاك المريدين في السير في الجهل بالأحوال ، والخروج منها قبل الدخول فيها ) .
أقول : الحال نازل من الحقّ لم يستقرّ بعد ، فإذا استقرّ فهو مقام ، ومن السائرين من يطلب الجواز عن حال قبل استقراره ؛ لكونه مخلوقا من عجل ، وهو يظنّه مستقرّا للجهل بحقائق الأحوال والمقامات ، فهو كالخارج عن مقام قبل الدخول فيه ، وفي ذلك هلاكه ، فكذلك عند الجهل بالحال ، والخروج منه قبل الاستقرار ينشئ هلاك المريدين ، وإنّما عدّ كذلك لأنّه يظنّه في حاصل ، وهو في فائت .
بيان الطاعة والتقرّب
قال : ( الطاعة عبادة ، والصبر عليها إرادة ، والشكر فيها استزادة ) .
أقول : يعني أنّ الطاعة الحقيقية ما تنفي كراهية الطبع ، وتصدر عن النفس ليسرها وسهولتها كالعادة ، والذي لم يبلغ هذا المبلغ ، ووجد في طاعته كراهة من الطبع وصبر عليها ؛ فذلك غلبت عليه إرادة القلب على كراهية الطبع ، ومن رأى الطاعة الجارية عليه نعمة من اللّه تعالى في حقّه ، لا عملا منه للّه ، فقد شكرها ، والشكر يستجلب المزيد ، ومن الزيادة في الطاعة زوال الكراهة فيها .