وأمّا من تقيّد بالحقّ فلا ينفكّ منه أبدا ، بل يكون معه في كلّ حال ؛ لأنّه هو القابض في حال القبض ، والباسط في حال البسط ، وهو الباعث على الاختيار وتركه .
وقال : ( أسرة الأقوال للعمّال ، وأسرة الأحوال للأبطال ) .
أقول : الأبطال جمع بطل وهو الشجاع ، يعني من تقيّد بأقوال الشريعة فهو صاحب العمل ، ومن تقيّد بأحوال الحقيقة فهو البطل الغالب في جهاد النفس والشيطان .
وقال : ( من أسره العلم فهو طالب ، ومن أسرته الحقيقة فهو راغب ، ومن أسّره الحقّ فهو ذاهب ) .
أقول : طالب للثواب بالعمل به ، والراغب من تقيّد به من الحقيقة ، والذاهب عن كلّ رغبة وطلب .
بيان المقامات والأحوال
وقال : ( المقامات كلّها لأهل العجز ، والسير لأهل الطلب ، والحركات لأهل النفوس ، والتعلّق لأهل الغفلة ، والمقامات مكر ، والسير بعد ، والحركات تجربة ، والتعلّق فتنة ) .
أقول : اعلم أنّ للسائرين إلى اللّه تعالى بسرائرهم ، والذاهبين إلى حضرته بقلوبهم ، في الطريق منازل ، هي مقامات يقوم فيها العبد ؛ لإقامة رسم العبوديّة ، كالتوبة ، والزهد ، والصبر ، والتوكّل ، وغيرها ، وجوازه من كلّ مقام إلى آخر ليس بالانخلاع عنه ، بل بالانخلاع عن التقيّد بذلك ؛ لأنّ التقيّد يتخلّف بالمجاوز عن المقامات إلى
مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : الآية 55 ] ، يستصحب صفاء عن كلّ مقام .
وتفاوته من غير أن يتقيّد به ، فالتقيّد لمن هو عاجز متعلّل بنسمة من روضه ، وذلك مكر به ، لأنّ المتقيّد بمقام شريف لا يعرف شرفه ونسبته إلى اللّه تعالى متقيّد بالغير ، والمقام غير الحقّ ، فهو كالممكور به ، المخدوع بشيء يظنّه غيره .