والسير في المقامات لمن يطلب مفقودا ، وهو البعد عن المطلوب ؛ لأنّ المطلوب في الحقيقة عين الطالب ، احتجب به عنه حيث يظنّه غيره ، والسير دليل هذا الظنّ . ومن يطلب شيئا في غير موضعه لا يجده ؛ لبعده عنه .
وأمّا الحركات البدنية في العبادات فهي لأهل النفوس ، أي ارتسمت لتزكية النفس من دنس الهوى والطبيعة ، بمخالفتها في إرادتها ، ويحتمل معنى آخر وهو أنّ أهل العبادات البدنية ، العاطلين عن المعاملات القلبية والمشاهدات السرّية ، يبتغون بها الجنّة وثوابها ، وفيها حظّ أنفسهم .
ومعنى قوله : ( تجربة ) تزكية على الأول ، واستعمال على الثاني . وأمّا التعلّق بشيء من المقامات ، والأحوال ، والأمور الدنيويّة ، فهو لأهل الغفلة عن شهود جمال الحقّ ، وإلّا ما زاغ بصرهم عنه إلى الزينة المموّهة ، وهو فتنة لأهل النظر .
وقال : ( المقامات لأهل العجز للتعلّل ، فأمّا خواصّ الحقّ فمقامهم عند مليك مقتدر ) .
أقول : التعلّل بالشيء التسلّي به ، وهو مطاوع علّل ، يقال : علّلت الصبي بالطعام عن اللّبن فتعلّل ، والعلامة - بالضمّ - والتعلّة ما تعلّلت به ، وأصل العلامة بقيّة كلّ شيء ، وطالب الحقّ إذا تقيّد بمقام يقوم فيه للّه تعالى كالمتعلّل به ؛ لأنّه يتسلّى عن مطلوبه بشيء له نسبة إليه ، ولولا أنّ في المقام نسبة إلى اللّه تعالى لما سكن طالبه إليه ، فالمقام كعلال يتعلّل به إلى ميقات اللّقاء ، كما أنشد في معناه شعر :
إذا ما ظمأت إلى ريقه * جعلت المدامة منه بديلا
وأين المدامة من ريقه * ولكن أعلّل قلبا عليلا « 1 »
وأهل اللّه وخاصّته المهيّمون فيه عن كلّ مقام ، خلصوا عن التعلّة بالغير إلى قرب المحبوب ، ووصل المطلوب .
هامش
( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر العباسي ابن غلبون الصوري عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصوري أبو محمد المتوفّى سنة 419 هجرية 1028 ميلادية .
( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .