في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً
[ المجادلة : الآية 12 ] ، فظهر بتخلّفهم عن المناجاة كذبهم في دعوى الإيمان .
وقال : ( من أخذته البلوى عن حاله كان ضعيفا في حاله ، ومن ازداد حاله عند ورود البلوى ، فهو قويّ في حاله ، والعارف من أخذ الحال من بلواه ) .
أقول : يعني من كان صاحب حال من صبر ، وتوكّل ، ورضا ، وغيرها ، وتغيّر عن حاله عند ورود البلاء ، من الخوف ، والجوع ، والفقر ، والمرض ، وغيرها من المكاره النفسانيّة ، كان ضعيف الحال ، ومن ازداد حاله بها كان قويّا ، وازدياد حاله بأن يأخذ من البلوى ، فلا تبقى البلوى بلوى لتداويه بها ، ويقول بلسان الحال :
فيا حبّها زدني جوى كلّ ليلة * ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر « 1 »
بيان الأسر والانفكاك
قال : ( من أسره العلم انفكّ بالعلم ، ومن أسرته الحقيقة انفكّ بشرائط الحقيقة ، ومن أسّره الحقّ لا ينفكّ أبدا ) .
أقول : الأسر التقييد ، والأسرة اسم منه ، يعني من قيّده العلم بحكم من أحكامه ، لا ينفكّ عنه إلّا بحكم آخر منها ، كالمسافر المنفكّ عن حكم وجوب الصوم بحكم جوازه في السفر ، ومن قيّدته الحقيقة بحكم من أحكامها ، لا تنفكّ عنه إلّا بحكم آخر منها ، كالمقيّد بحقيقة الزهد ، لا ينفكّ عنها إلّا بحقيقة ترك الاختيار .
وشرائط الحقيقة التي ينفكّ بها العبد ، أن يكون في كلّ وقت بحكمه ، فإن اقتضى ترك الاختيار تركه بحكمه ، وإن حكم بالبسط انبسط ، وإن حكم بالقبض انقبض ، ففي كلّ وقت يتحقّق بمقتضاه ، فلا يتأبّد تقيّده بحقيقة ، بل ينفكّ عن حقيقة بشرط حقيقة أخرى .
هامش
( 1 ) هذا البيت هو للشيخ أبي بكر الشبلي دلف بن جحدر المتوفّى سنة 334 هجرية ، الموافق 946 ميلادية ، وهو من البحر الطويل وتفعيلته هي :طويل له دون البحور فضائل * فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .