الباطن ، رياضة وحالا ، وقد أصاب الغزالي كبد الحقيقة عندما وضع نحونا التقليدى بين ( علوم الصدف والقشر ) « 3 » . ويستحيل الوصول إلى لبه ونواته ، وفقه أعماقه إلا عن طريق علوم ( القشر ) كما يستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا عن طريق عالم الأجساد .
فليست قضية النحو عند القشيري في حفظ التعريفات والقواعد ، والإلمام بقضايا الرفع والنصب والجر والمفرد والجملة وأحكامها ، وإنما كان نحوه بعد هذا فضا للقشرة الظاهرية حتى شف المصطلح ورق درجة بعد درجة كلما زاد الصعود وفتح باب الورود .
2 - وكان القشيري في استخراجه ( للإشارات ) من النحو الظاهري - معتدلا فلم يجنح ، ولم يجمح ، ولذلك كان نحوه الظاهري الباطني على صغر حجمه صافيا نقيا ، فلم يهم في أودية الأباطيل والضلال ، ودروب الخيالات والأوهام .
3 - وإذا كان النحو العربي يدرك بالعقل ، فإن نحو القلوب لا يدرك إلا بالذوق ؛ ولذلك كانت لغته الرموز لا العبارات ، واللطائف والإشارات . وهي وحدها : لغة الإلهامات والمجاهدات ، والأحوال والكشوفات ، والمواجيد والأذواق .
يقول أبو سعيد الخراز : « العبارة يعرفها العلماء ، والإشارة يعرفها الحكماء ، والرمز يعرفه الأولياء ، واللطائف يقع عليها السادة والشيوخ » « 4 » .
فالعبارات ليس في مقدورها أن تعبر عن هذه الدقائق وتلك الرقائق ، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني :
هامش
( 3 ) جواهر القرآن 18 ، 20 للفزالى .
( 4 ) علم القلوب 75 .