تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
الصوفي يفترق عن المنهج الكلامي والفلسفي اللذين يعتمدان في الاستدلال على الخالق بالمخلوق ، أما الصوفية فيستدلون أولا بوجوده سبحانه على وجودهم . وعندهم أن الاستدلال بالأول الخالق على المحدث المخلوق أولى ؛ ذلك لأن الحق مشهودهم .
عجيب لمن يبغى عليك شهادة * وأنت الذي أشهدته كل مشهد
يقول ابن عطاء الله السكندرى في ذلك : « متى غبت حتى تكون الأكوان شاهدة عليك ؟ » . فحرف الباء هنا أشعر بفضل الله على العبد حين يسبق إلى معاونته كي يذكره ، ويبعده ويعرف به « 79 » . فقد حملها القشيري في الفعل معاني جديدة أثرت الفكر الديني . فحرف الجر في النحو الصوفي على نحو له خطير ؛ إذ يعبر عن مذاقات ومواجيد . وإذا كان حرف الجر عند أهل العبارة يجر الاسم ويترك فيه أثرا ماديا وهو الجر فإنه عند أهل الإشارة أعمق أثرا وأوسع نشاطا ، وأرق حسا ، وأشهى مذاقا ؛ فهو يجر العبد من نفسه إلى مرحلة ( النصب ) ، ثم إلى مرحلة ( الرفع ) ، أوليس من أسمائه تعالى « الرافع الخافض » ؟ ثم حروف الخفض ( أحوال ) من قبيل ( الخوف ) الذي يرفع بعده العبد إلى ( الرجا ) ، و ( القبض ) الذي يرفع منه إلى ( البسط ) ، و ( الحجب ) الذي يرفع منه إلى ( الكشف ) . ثم ألا تجد معي بعد هذا الطواف والمسير أن القشيري كان يجرد حرف الجر من غلافه وغلالته حتى يستشف معدنه ، ويلمس سره ، ويربطه بالحياة الروحية الصافية ؟ ، وقد كان القشيري - نور الله مضجعه ، وبرد مثواه ومترعه - يعمل نفس هذا العمل مع بدنه ونفسه وروحه ! !
هامش
( 79 ) الإمام القشيري 332 د . إبراهيم بسيوني مخطوطة بمكتبة جامعة القاهرة .
نحو القلوب — صفحة 90 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / احمد علم الدين الجندى