والحرف في نحو العبارة : ما جاء لمعنى في غيره « 67 » ، والحروف متى اختصت بالأسماء عملت الجر ، وإنما وجب أن تعمل الجر لأن إعراب الأسماء رفع ونصب وجر ، فلما سبق الابتداء إلى الرفع في المبتدأ والفعل إلى الرفع في الفاعل وإلى النصب أيضا في المفعول ، لم يبق إلا الجر فلهذا وجب أن تعمل الجر « 68 » .
وسميت حروف الجر لأنها تجر معاني الأفعال إلى الأسماء أي تضيفها وتوصلها إليها ؛ ولهذا سماها الكوفيون ( حروف الإضافة ) .
وعلامة الجر الكسرة وما ناب عنها في اصطلاح النحاة ، فهي تحدث عملا خطيرا في الاسم على الرغم من قلة حروفها وضمورها . يؤكد هذا أن رجلا وقف على الشبلي فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال :
الصبر في الله عز وجل ، فقال : لا ، فقال : الصبر لله تعالى . قال : لا . قال :
الصبر مع الله تعالى . قال : لا . قال : فأي شئ ! قال : الصبر عن الله عز وجل . قال : فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أن تتلف « 69 » . فحروف الجر هي التي أعطتك هذه الشحنات المملوءة بالمذاقات والمواجيد ، ولهذا أنشدوا :
والصبر ( عنك ) فمذموم عواقبه * والصبر ( في سائر ) الأشياء محمود
وهاك القشيري يكشف عن حقيقة حرف الجر على طريقة أهل الإشارة حيث يقول في تفسيره
« وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ . . . . »
من شهد المصائب شهد نفسه لله ، وإلى الله ، ومن شهد المبلى علم أن ما يكون من الله فهو عبد بالله ، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله ،
هامش
( 67 ) أسرار العربية لابن الإنبارى 12 .
( 68 ) أسرار العربية 253 .
( 69 ) رسالة القشيري 285 .