وإذا كان التمييز في نحو الظاهر لا يكون إلا بعد تمام الكلام فكذلك في نحو الباطن ، فلا يميز الله أحدا من عباده إلا بعد أن يتحلى بالعلم والفقه والفضائل من إيثار وإخلاص وبذل وتضحية وهي عناصر الفتوة فإذا تحلى تمت له رتبة التمييز « ونصبهم الله لإصلاح عباده ، وميزهم فاستخلصهم لوداده » « 65 » .
5 - ثم يتجه الشيخ رضى الله تعالى عنه إلى ( التوابع ) :
فيبدأ بالبدل وأقسامه ، فالنعت ، فالعطف ، فالتوكيد . وحسبي من التوابع ملحظ واحد بين ( البدل ) الظاهري والإشارى تتضح فيها الملامح بينهما .
وذلك أن بدل البعض يمكن فصله فيما إذا قلت مثلا : أكلت التفاحة نصفها - بمعنى أنك أكلت النصف الصالح ورميت النصف الفاسد ، وفي النحو الإشارى كذلك فقد تخلصوا من نفوسهم وعللهم ، فبدل الله سيئاتهم حسنات .
أما بدل الاشتمال فلا يمكن فصله في نحو العبارة كما إذا قلت :
أعجبني العندليب صوته ، وكذلك في نحو الإشارة فهم لم يتمكنوا من التجرد والأعلال ، ولا يزال عندهم وارد من ثواب أو عقاب ، ولم يستطيعوا أن ينفصلوا من عللهم وأن يستبدلوا بالعبادة المغرضة عبادة خالصة ، فهم بين خوف ورجاء ، وقبض وبسط .
ثم أخيرا يمضى بنا إلى ( حروف الجر ) ، وهي آخر المطاف . يقول القشيري عن حروف الجر : « وهي تخفض الأسماء ، فلما علم المحققون أن الأشياء بالله ، ومن الله ، وإلى الله ، خفضوا أنفسهم تواضعا لله فتعززوا بالإضافة إلى جانب الله ، أولئك الذين اصطفاهم الله لقربه وجعلهم من حزبه » « 66 » .
هامش
( 65 ) نحو القلوب : للإمام القشيري .
( 66 ) نحو القلوب : للإمام القشيري .