ينقله من محيط النحاة حيث كان فيه هامدا جامدا إلى محيط الصوفية حيث يكون فيه مذاقا وحسا وشفافية ، وأن يصبغ مصطلحات النحو العربي بصبغة جديدة ، وفهم روحي ملون بألوان الطوالع واللوامع ، والمجاهدات والمذاقات .
لقد كان القشيري الصوفي أولا متسلحا بأسلحه النحو الظاهري قبل أن يبدأ هذا العمل عارفا بدقائقه وأسراره حتى يتسنى له أن ينقل الفكرة في النحو الظاهري إلى مثيلتها في النحو الباطني ، فلم يجعل القشيري من ( نحو الإشارة ) ثورة كما فعل ابن مضاء مع نحو العبارة ، بل على العكس مد القشيري بينهما جسرا وفتح طريقا ، وجعل بينهما مودة ورحمة ونسبا وصهرا . كما استعمل القشيري مصطلحات العلوم الأخرى غير النحو ليعبر بها عن جوانب الحياة الباطنية « 56 » .
ولم يكتف القشيري بهذا النقل بل اعتمد على مظاهر الطبيعة وأخذ منها إشارات رائعة ليوضح بها حقائق العلم الصوفي من مجاهدات وكشوفات وأحوال ومقامات ، معتمدا في ذلك على الفروق الدقيقة بين هذه الظواهر الكونية « 57 » . ولقد قام القشيري بمثل هذا الصنيع في النحو الظاهري حيث التقط المصطلح النحوي عند أهل الظاهر واستكنه منه نحوا صوفيا عند أهل الباطن عن طريق إشارات تتصل اتصالا وثيقا بالمجاهدات والمقامات والكشوفات والمعارف العليا معتمدا في ذلك على استنباط خفايا الألفاظ دون أن تحجبه قشورها الظاهرة ، ومعانيها المألوفة .
وآن لنا أن نوضح ونفصل ما أجملناه معتمدين على النصوص الأمينة الموثقة من مؤلفات القشيري أولا ، ومن إشاراته وفيوضاته على قدر ما حملته طاقاتنا ثانيا .
هامش
( 56 ) التحبير في التذكير 46 حيث استعمل مصطلحات البلاغة في التصوف .
( 57 ) انظر أمثلة من لطائف الإشارات 6 / 219 ، 275 ، 303 .