فينفقون نفوسهم في آداب العبودية ، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة المربوبية ، فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال ، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال . . وأما أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم « لأنفسهم ولحظوظهم لحظة قامت عليهم القيامة » « 23 » .
3 - في قوله جل ذكره
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
ويقال : الاستطاعة فنون ، فمستطيع بنفسه وماله وهو الصحيح السليم ، ومستطيع بغيره وهو الزمن المعصوب ، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه . وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا .
ويقال : الحج هو القصد إلى من تعظمه : فقاصد بنفسه إلى زيارة البيت ، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت ، فشتان بين حج وحج ، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فرضهم ، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم . . . فإذا بلغ منى نفى عن قلبه كل طلب ومنى ، وكل شهوة وهوى ، وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى ، وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية . . . وإذا حلق قطع كل علاقة بقيت له « 24 » .
4 - يرى القشيري أن المريد لا يلجأ للرخص في العبادات ، والأفضل تركها ، لأنها للمستضعفين وأرباب الحوائج والأشغال من الكافة ، والمريد لا حاجة له ولا شغل إلا لربه وبربه « 25 » .
هامش
( 23 ) اللطائف 1 / 69 .
( 24 ) اللطائف 1 / 275 فما بعدها ، وانظر نظرة القشيري : للصوم والطهور والغسل والمسح والتيمم في لطائف الإشارات 2 / 99 ، 1 / 165 فما بعدها .
( 25 ) انظر اللطائف 1 / 165 ، 2 / 264 وانظر التحبير في التذكير : للقشيرى تحقيق الدكتور إبراهيم بسيوني 66 .