تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
ويقال في هذه الآية : إن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة ، أو التجرد عن آفة ، لأنه قال
« يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » ،
بين أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحب الله ويحبه الله . ويقال : قال أولا :
« يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ »
ثم قال
« وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ »
والواو تقتضى الترتيب ليعلم أن المحبة سابقة على الغفران ، أولا يحبونهم ويحبونه ( وبعده ) يغفر لهم ويستغفرونه ، فالمحبة توجب الغفران ، لأن العفو يوجب المحبة . والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حبب الأسنان وهو صفاؤها . والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب في السر . والحب حرفان : حاء وباء . والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البدن ، فالمحب لا يدخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه « 16 » . 3 - ولم تكن بسملة السورة كيانا مستقلا قائما بذاته عن السورة كما في تفسير أهل العبارة بل كانت البسملة عند القشيري في أول كل سورة خلاصة مركزة لحديث طويل يتواكب مع النسيج العام داخل السورة وكأن بين البسملة والسورة رحما في المعنى وثيقة ، ومسالك دقيقة . ولم يكن مرد هذا إلى معرفة القشيري باللغة والنحو ، والاشتقاق والبلاغة فحسب ، وإنما كان مرجعه إلى صفاء روحه ، ودقة حسه ، ورقة شعوره ، ونقاء سريرته ، وبعد تأملاته ، وعمق رياضته ومجاهداته . كما اعتمدت هذه النظرة الفذة من القشيري على أنه لا يؤمن بالتكرار في القرآن ، فحين تأتى البسملة في أول كل سورة فإنما تأتى لمعنى جديد ، ومرمى سديد يتفق مع السياق العام لمضمون ما تحتويه السورة وإليك بعض النماذج : ففي سورة « الأنبياء » يكشف عن معنى البسملة في أول السورة بقوله : « بسم الله » اسم عزيز من توسل إليه بطاعته تفضل عليه بجميل نعمته إن
هامش
( 16 ) لطائف الإشارات للقشيرى 1 / 246 - 248 .
نحو القلوب — صفحة 63 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / احمد علم الدين الجندى