يعبر الفكر عنها إلا مكدودا لاهثا ، لأن ( العبارة ) ليس في طاقتها أن تتتبع أسرار ( الإشارة ) .
على أنه لا تعارض بين العبارة والإشارة فهما يتكاملان ويتضافران ، فما قامت علوم الظاهر إلا لنصرة الشريعة والحقيقة ؛ فالشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده . ومن هنا كان لدى أهل الإشارة حصيلة كبيرة من المعارف اللغوية والنحوية والإنسانية وغيرها فهم يعتمدون على العبارة أولا .
ثم يبدأون في رحلة أخرى تقوم على الرياضات والمجاهدات والمذاقات والكشوفات التي تنثال من الحق على عباده الذين اصطفاهم . فلا بد إذن من علم الظاهر قبل الانطلاق إلى علم الباطن ، ولهذا فقد ألف القشيري تفسيره الكبير المعروف « بالتيسير في التفسير » قبل عام 410 ه . وهو نتاج الدراسة العقلية واللغوية حيث يعنى بالجانب التقليدى : من لغة ونحو وأخبار وقصص وغيرها ، فلما سلك الطريق الصوفي والتقى بشيخه الدقاق ألف تفسيره المعروف « بلطائف الإشارات » 434 ه . وهذا التفسير الأخير نتاج الفيوضات والإلهامات والمذاقات يتتبع فيه الإشارات لا العبارات ، ولا يتوقف عند حدود المفردات والألفاظ بل يذهب إلى ما وراء العبارة .
جاء في طبقات الشعراني 1 / 147 لسيدي إبراهيم الدسوقي : « للعارفين من إشارات العبارات عبارات معجمة وألسن مختلفة » فتفسيره « التيسير » يدركه العوام والمثقف العبارى ، أما تفسيره « اللطائف » فلا يصل إليه إلا الخواص ولهذا قالوا : العبارات للعموم ، والرموز والإشارات للخصوص .
ولذلك كان علم العبارة من مقومات الثقافة العامة ، وعلم الإشارة من مقومات الثقافة الخاصة . وللقشيرى فهم خاص غير فهم أصحاب العبارة يتجلى : في التفسير واللغة والفقه والنحو والأصوات والمصطلحات والتذوق وفن الرسم والكتابة . وآن لنا أن نوضح جانبا من هذه القضايا .
نحو القلوب — صفحة 61
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٦١