تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ومن هنا آثرنا تسميتهم ب ( أهل العبارة ) أو ( أهل الظاهر ) لأن عملهم لا يتعدى الشكل والسير حول محيط الدائرة أو قريبا منها . وهيهات أن يصلوا إلى مركز الدائرة أو نقطة النبع ، وإذا كنا وجدنا على هذا الجانب ( أهل العبارة ) فإننا نرى على الجانب الآخر ( أهل الإشارة ) . والإشارة : ترجمان لما يقع في القلوب من تجليات ومشاهدات ، وتلويح لما يفيض به الله على من اصطفاه من خلقه من أسرار وفيوضات . وإذا كان المصطلح لأهل النحو الظاهري ( العبارة ) فإن المصطلح لأهل النحو الباطني ( الإشارة ) ولكل وجهته . والنحو الظاهري أو نحو العبارة ( لغته العقل ) وتدرك بالألفاظ والكلمات ، وأما النحو الباطني أو نحو ( الإشارة ) فلغته ( القلب ) وتدرك بالذوق والإلهام والفيض ، ولا يمكن نقل ذلك عن طريق العبارة ، ولهذا رمزوا لها وأشاروا . والعبرة عند أهل ( الإشارة ) بحقائق الأرواح لا بمظاهر الأشباح . يعنيهم الجوهر أكثر مما يعنيهم المظهر . وفي الخبر « من عمل بما علمه ورثه الله علم ما لم يعلم » « 10 » . ويوضح أبو نصر السراج هذا العلم الموروث بأنه ( علم الإشارة ) حيث يكشف الله سبحانه وتعالى لقلوب أصفيائه المعاني المذخورة ، واللطائف والأسرار المخزونة « 11 » . وأسلوب أهل الإشارة يقوم على الإيماء والرمز وسرعة الالتقاط . كما أن كلماتهم محملة بالشحنات النفسية لتتواءم مع الموقف الذي هم عليه ، ولهذا كان لهم فهم وتذوق قلبي يختلف عن لغة ( العقل ) . ولهذا عندما نظر الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - وحوله أصحابه إلى أبى بكر قائلا له : « أتذكر يوم لا يوم ؟ » فلم يفهم أصحابه - ما يريد ولكن أبا بكر أجاب بقوله « نعم » . ولما سئل
هامش
( 10 ) أورده أبو نعيم في حلية الأولياء عن أنس بن مالك . ( 11 ) اللمع 147 .