تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
ومن المعلوم في الأصوات أن الهمزة أكثر الأصوات الساكنة شدة ، وأن النطق بها شاق أعظم ما تكون المشقة ، حتى أن بعض اللهجات تسقطها أو تمدها تسهيلا ( أي تحولها إلى حرف مد ) ، وقريش تخففها . فإذا كان للهمزة هذه القوة الصوتية التي تفوقها على ما عداها من الأصوات فكذلك فإن بعض الأعمال التي يقوم بها العبد قد تكون مرشحة للقبول أكثر من غيرها . وقول الشيخ في الفقرة « قد يصعد » يفيد ذلك ، ولكنه دقيق التعبير ، إذ أن أحدا لا يملك أن يحكم على الأفعال الإنسانية بالقبول أو الرفض فهذا مرده إلى علام الغيوب ، وبلغ الشيخ الدقة باستعمال « قد » التي تفيد - كما نعلم - التحقيق والتأكيد كما تفيد التكثير - وهي أيضا تفيد التقليل ، وكلها محتملة . المهم . . أن الشيخ يقصد إلى أن يعزز المرء أعماله ، فبدلا من أن يردفها بما يضعفها يردفها بما يقويها حتى ( تصعد مقبولة ) . . والأمثلة على ذلك كثيرة . . فالنوافل تدعم الفرائض ، واستدامة الذكر آناء الليل وأطراف النهار زيادة مستحبة . والخلو ، وعدم الجنوح إلى الرخص « * » ، والأخذ بالأحوط ، واتباع الأشق دون الأسهل ، والذهاب إلى الحج رغبة في رؤية رب البيت دون الاكتفاء بشكليات الشعائر ، وانفاق المال - الذي هو مال اللّه على صاحب حق فيه دون أن تدرى الشمال بما بذلت اليمين . . كل ذلك وأمثاله دواع ( تصعد ) بالفعل ، وهي كما ترى نقيض للدواعى التي ( تهبط ) به : كان الواسطي ( يأمر تلاميذه لا بالتزام الطاعات ولا حتى برؤية التقصير فيها مهما زادت وحسنت بل كان يأمرهم بالفناء عنها والبقاء بمنشيها ومجريها ) .
هامش
( * ) بضم الراء المشددة وبفتح الخاء .