ثم يأمره بإيثار الخلوة والعزلة ، ويجعل اجتهاده في هذه الحالة لا محالة في نفى الخواطر الدنية والهواجس الشاغلة للقلب . . . . . وعلى المريد أن يلازم موضع إراداته ، وألا يسافر قبل أن تقبله الطريق ، فقبل الوصول بالقلب إلى الرب فإن السفر للمريد في غير وقته سم قاتل .
وعلى المريد أن يكون سبيله احترام الشيوخ والخدمة للأصحاب ، وترك الخلاف عليهم ، والجهد ألا يستوحش منه قلب شيخ .
ويجب أن يكون المريد في صحبة الفقراء أبدا خصما مضادا لنفسه ونزوعه ، وأن يرى لكل واحد منهم قدرا ولا يرى لنفسه واجبا على أحد » « 5 » .
بهذه التربية الواعية يظهر معدن المبتدئ إبان فترة الانتقال ، فإن استجاب زيدت عليه مقادير من الرياضات والتوجيهات تؤدى به إلى مرحلة أرقى . . وإلا فهو ( موقوف عند السكون ) كما نصت الفقرة . وكان من الخير إبعاده نهائيا من زمرة القوم ، لأنه سيكون عظمة في الحلقوم ، ونغما نشازا وسط هذا الإيقاع الهادئ . . وسينعكس هذا بدوره على المريدين النشيطين الذين يترسمون الطاعة للشيخ ، والانضباط في الطريق .
ويختم الشيخ هذا الباب الكبير « باب الإعراب والبناء » بهذه العبارة :
« كذلك الأحكام : مختلفة الأقسام والأقدار ، متفاوتة الأدوار » .
أي كما اختلفت أقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف في ( نحو اللسان ) وكما نال كل نصيبه من التأثير ، والتأثر ، وكما انطبع آخر كل منها بخاتم خاص يمنحه الثبات ( في البناء ) أو التغير في ( الإعراب ) .
وكما تتفاوت الأدوار التي يؤديها كل فرد منها في تحقيق الإبانة عن غرض المتكلم من أجل تحقيق الفائدة .
هامش
( 5 ) الصفحات الأخيرة من الرسالة .