« إنه كلام ظاهره مستشنع وباطنه سليم » .
وهو تعبير عن أزمة يمر بها الوالهون ، لأنهم في لقاء من نوع فريد ، الحق والخلق « * » واللغة لم تحسب حساب هذا الموقف ، ولم تضع له مفرداته وتراكيبه ، والعبد بشر لم ينسلخ عن بشريته مهما قيل في وصفه فالمتوقع أن تصدر عنه كلمات مبهمة بلا قصد ، وربما مسرفة بلا عمد . .
ولكنها في عرف أهل الجواهر متناغمة ومنسجمة مع الباطن المحتدم !
تلك مسألة تقتضى فهما للموقف وتذوقا لتعبير وحسن نية في التماس المعاذير .
وقل في الناس من هو مستعد لكل ذلك حيال هؤلاء الذاهبين . وهذا بالضبط ما حدا الصوفية إلى اتخاذ بعض المواقف الإجرائية ، فنادوا بأنهم من الخواص ، ونادوا بأن أسرارهم بكر ، ونادوا بأن الدخلاء يفسدون عليهم خلواتهم . . وأخيرا حاولوا وضع تفاسير وشروح لألفاظهم . . التي ليست شيئا آخر غير ألفاظ اللغة العادية ولكنها حين جلبت إلى بيئتهم ، ووصفوا بها أحوالهم حملت من الشحنات النفسية ما جعلها ذات دلالات جديدة يفقهها أوساطهم ، شأن أي بيئة ذات نشاط خاص ولغة خاصة . . .
فهل في هذا ضير ! ! ؟ أليس من المحزن أن يلقى الصوفية في بعض العصور مصارعهم حينما يكون أحدهم في حال ( المبنى على الضم )
ومن الأمثلة العملية على ذلك الحسين بن منصور الحلاج الذي ما كان إلا والها مأخوذا عند هذه الحال فاقتادوه إلى المقصلة المنصوبة له في بغداد عام 309 ومضى نحو المقصلة يغنى :
اقتلونى يا ثقاتى * إن في قتلى حياتي
وقبل أن يقتلوه راحوا يسألون الشبلي - أحد كبار الطائفة - في أمره فأجاب في شجاعة : أنا وابن منصور شئ واحد ولكنه أظهر وأنا كتمت ! .
هامش
( * ) بسكون اللام .