يكون شيخهم في حال المحو ، وتمت العملية الجراحية دون أن تظهر على المريض العظيم دلائل الجزع أو تصدر عنه آهة التوجع .
وقد نبهنا القشيري إلى هذه المعادلة الصعبة بعباراته الدقيقة ( مشكل بين الورى حديثهم ) « * » .
هذا عبد بدا كمن يسير بجوار البحر ثم سبح في البحر ثم غرق في البحر ، وهو في هذه الحالة الأخيرة في كنف الرحمة الإلهية ، لا يملك لنفسه شيئا ، وهو غائب فيما يشهد من التجليات ، وهو في ذات الوقت لم يفقد وسيلته التعبيرية الإنسانية المعروفة . . ( اللسان ) ، فما الأمر في خروج أشياء عن هذا العبد لتجرى على اللسان قسرا ودون إرادة ، وطبعى أن هذا الذي سيجرى على اللسان سيكون صادرا عن وجود يختلف عن الوجود العادي : وجود ( الورى ) و ( الكافة ) . . وليس الأمر أمر تعبيرات جارفة قد تكون مخالفة بل ربما صدرت عنه أيضا وهو في هذه الحال تصرفات وسلوكيات على نفس القدر من الغرابة . . أرأيت إلى العبد الصالح المرافق لموسى عليه السلام في سورة الكهف : من خرق للسفينة ، وإقامة لذلك الجدار المنقض ، وقتل للغلام ! .
تلك أفعال بدت لموسى - مع جلال قدره - غير مقبولة ، لأنها لا تستقيم مع المنطق الظاهري . . حتى جاء الوقت الذي عرف فيه موسى علل هذا كله حسب منطق آخر . . بعيد عن عالم الظواهر والمظاهر .
وأحاديثهم هنا كما وصفها الشيخ ( مشكلة ) و ( ملتبسة ) - على الناس العاديين . هذا حق . . وهو ما يعرف « بالشطح » ومع أننا قد سبق أن تناولنا ذلك في مواضع مختلفة إلا أننا مضطرون هنا إلى مزيد من الضوء على المسألة ، ونكتفي بما أورده السراج في « اللمع » تعريفا لهذا الشطح :
هامش
( * ) بضم الثاء .