إن الإنسان بعقله وحده لا يستطيع أن يدرك كل شئ عن كيانه فأنى إله أن يدرك الملكوت الأعلى . . أو كما يقول أبو عبد الله الجلاء ( ت 306 ) :
كيفية المرء ليس المرء يدركها * فكيف كيفية الجبار في القدم « 2 »
هو الذي أحدث الأشياء مبتدعا * فكيف يدركه مستحدث النسم ؟
وينتهى المتصوفة إلى أن العقل في حساب الأنوار يشبه الشمعة ، والشمعة لا قيمة لها إذا استضاء المصباح والمصباح لا قيمة له عندما يطلع النجم ، والنجم لا فائدة منه إذا هل القمر ، والقمر لا جدوى منه إذا طلعت الشمس و ( الشمس ظلام عند تلألئ ) شمس شموس التوحيد .
وهذه الشمس العظمى لا تظهر للعبد طفرة واحدة بل تسبقها لوائح وطوالع ولوامع . . يوضحها الشيخ بقوله :
« هذه ألفاظ متقاربة المعنى ، وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب .
إذا أظلمت سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح لهم فيها لوائح المشف وتلألأت لوامع القرب . . فهم في زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح كما قال قائلهم :
يا أيها البرق الذي يلمح * من أي أكناف السما تسطع
هامش
( 2 ) شذرات الذهب ج 2 ص 249 لابن العماد الحنبلي .
( مكتبة القدسي 1350 ه ) .