استمع إلى سيد الأنام وهو يقول فيما روى عنه صلوات الله عليه : « ما منكم من أحد ينجيه عمله . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟
قال : ولا أنا . . إلا أن يتغمدني الله برحمته » .
وهو - صلوات الله عليه - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ومع ذلك يقول : « لا أدى ما يفعل بي ولا بكم » ولا كان جائزا له أن يقول في وصف نفسه ما نعلم لقال : أعلم أنى رسول الله ، وأنى معصوم ، وأن ربى أدبنى فأحسن تأديبى ، وأن خلقي القرآن ، وأن . . وأن . . وهو لا محالة يغفر لي ، ولكنه قال :
« وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم » ليعلم أن الأمر أمره ، والحكم حكمه ، وله أن يفعل بعباده ما يريد .
وإذا كان القشيري يعالج الموضوع هنا في حسم قاطع في ضوء ( أشعريته ) فهو في موضع آخر في لطائف الإشارات يعرضها في سماحة ( صوفيته ) فيفتح أبواب الآمال على مصاريعها ، ويجذب القلوب والعقول إلى الرحب والسعة ، استمع إليه وهو يستخرج الإشارة من قوله تعالى :
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ » :
هذه الآية توجب حسن الرجاء وقوة الأمل لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبة شيئين اثنين : الشكر والإيمان وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان ، فالشكر قالة والإيمان حالة فهون « * » بهما السبيل على العبد كي يصل إلى مرفأ النجاة .
ويقول عند قوله تعالى :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
( الأعراف : 156 ) .
الجنة للأتقياء من هذه الأمة معدة لهم ، والرحمة للعصاة من المسلمين مدخرة لهم ، الجنة لطف من الله تعالى ، والرحمة وصف لله تعالى ، الجنة إذا كانت في عرض السماوات والأرض فالرحمة أكبر لأنها وسعت كل شئ .
هامش
( * ) بتشديد الواو وفتحها .