ثم . . هل يصح من الناحية الأخلاقية أن نستخدم لفظ ( يجب ) على الله أن يثيب المطيع وأن يعاقب العاصي ؟ . من ذا الذي ( يوجب ) على الله ؟ أنا أو أنت أم الناس جميعا ، كل ذلك مرفوض شكلا وموضوعا لأنه عندئذ لن يكون إلها ، حاشا لله . . الحق أنه ( لا يسأل عما يفعل ) و ( هم يسألون ) .
إن حرية الإنسان تبقى مكفولة . . ولكن في داخل دائرة من القيود .
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 )
( الرحمن : 33 ) .
وعمل الإنسان وجده واجتهاده ، وكده وعناؤه . . كل أولئك مطلوب ومأمور به . ولكن إذا لم يرتبط ذلك كله بالشعور الجارف المقتنع أولا بفضل الله ، وأن هذا الفضل هو كل المأمول من عمل الإنسان ، وبدون هذا الفضل لا يتحقق شيئا حتى لو ملأ العبد حياته بالأعمال الصالحة مقدار ماء البحر ، ولو تسرب دبيب خفى إلى القلب يوهم بأن الإنسان قد بلغ بعمله وحده شأوا يستحق عليه الشكر . . فقد انهار كل شئ .
وإذا فإن ( الحسنات لا تغير الأقسام من الشقاوة والسعادة ) « 1 » .
والخلاصة : إننا نظلم أنفسنا إذا قسنا العلاقة بين العبد والرب على العلاقة بين العبد والعبد ، لأنه حتى العمل الخير الذي ينهض به العبد ما كان يمكن أن يتم لولا توفيق الله وتسديده ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) « * » أي كان منك الرمي ولكن كان منا تسديد الإصابة . . التي هي جدوى الفعل وجوهر العمل . . إن فضل الله - في الواقع - وسيلة بمقدار ما هو غاية ، وذلك هو الفرق الكبير بين علاقتنا بالله وعلاقتنا مع أنفسنا ، ومن الخطأ إجراء المقايسة بين العلاقتين . . وإلا وقعنا في خطأ جسيم .
هامش
( 1 ) الرسالة ص 148 .
( * ) بفتح الميم .