ومطلوب منك لكي تفلح في ( رفع ) قلبك أن تكون ( مبتدئا ) بالتنازل عن حظوظك ، وهذا ( الابتداء ) لا ( تتم الفائدة منه ) إلا ( بالخبر ) وهو المراعاة الدائمة لحقوق الله ، وقد وضع الحارث المحاسبي كتابا بهذا المعنى أوضح فيه كيفية هذه المراعاة .
ومنطقي أن الذي يتخلى عن حظوظ نفسه لا بد أن يمتثل لتعريف التصوف الذي تبدأ به معظم مصنفاته وهو : « قطع العلائق واليأس مما في أيدي الخلائق » . إن الارتماء في أحضان الدنيا يستتبع تمريغ الكرامة ، وفي هذا مهانة لا يقبلها من أراد ( الارتفاع ) بشخصيته عن المنصب والمال والجاه . . فكلها أعراض زائلة ، أما من يتوكل على الله فهو حسبه ، وهو شرف له ما بعده شرف ، وهو أولا علامة الإيمان : « وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين » والعبد إذا تعلق بالمنهج الصوفي الأصيل عاش متأملا وعاملا بالآداب المستنبطة من أوصاف الفعل الإلهى : الوكيل والرازق والعليم . . وما في معناها ، وعندئذ يفرغ قلبه لحقوق الله ، وتكون عودته في كل أموره وما يشكل عليه إلى هذه الآداب عودة سهلة ميسرة لا عناء فيها ، وكما يعود الطفل إلى ثدي أمه في دعة واطمئنان ، ويعبر الجنيد عن ذلك بعبارة دقيقة : « إذا كان العبد لله كما لم يكن - أي بحظوظه - كان الله له كما لم يزل » أي وكيلا ووهابا ورزاقا ومنعما » . .
ويتدرج شيخنا بالعبد في هذه التربية السامية على خطوات في ( الرفع ) : -
( أن ترفع يدك عن الحرام ،
ثم ترفع ما تضمره من إثبات الأنام ،
ثم ترفع يدك إلى الله بسؤال الحاجات ،
نحو القلوب — صفحة 408
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٤٠٨