تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وقد أهلتهم هذه البسالة الناجمة عن تهوين شأن الدنيا إلى أن يكونوا بحق أشبه بضمير الأمة اليقظ . وفي سبيل إماتة دعاوى النفس وكسر شوكتها والاعتماد أنه لا يجئ منها شئ نرى مدرسة فكرية تظهر في نيسابور - مدينة القشيري - في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري تعرف « بأهل الملامة » أو الملامتية ، وتتلخص دعوتها في إماتة كل ادعاء للنفس ، ووضعها موضع التأنيب ، وجلب الانتقاد والمذمة بدلا من استجلاب المدح والزهو . . ودون أن تقع في شئ يخل بأدب العقيدة والشريعة بطبيعة الحال ، وقد تأثر القشيري إلى حد كبير بتعاليمها ، وبخاصة عند تكوين رأيه في « النفس » ، فروى عن كثير من شيوخها أمثال أبى حفص والواسطي وغيرهما . . وتروى المراجع الصوفية في باب كسر النفس وقتل دعاواها نماذج كثيرة نكتفي منها بالقصة المعروفة : حين عيّر « * » أبو ذر بلالا بالسواد ، فشكاه إلى المصطفى صلوات الله عليه وسلامه فقال : يا أبا ذر . . إنه بقي في قلبك من كبر الجاهلية شئ . فحلف أبو ذر ألا يرفع رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه . ومن شبيه ذلك ما حدث للكتانى حين طلب إلى رجل كان يستثقله أن يضع رجله على خده ، وألا يرفعها إلا أن يزول عنه هذا الشعور . ( وقد يكون برفع القلب إلى الحق ، وتصفيته عن شهود الخلق ) . ما كان لنفسك فهو من الحظوظ ، وما كان لله تعالى فهو من الحقوق .
هامش
( * ) بتشديد الياء .