تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
فما هو بتوقيف الحق يشبه ( المبنى ) وما هو مأذون به من لدن الحق يشبه ( لمعرب ) . وكما تختلف المبنيات والمعربات بحسب أواخرها نتيجة مواقعها في التركيب اللفظي تختلف أحوال الواجدين بحسب أنصبتهم وبحسب جهودهم وصدقهم ، وبالتالي تختلف ( خواتيم الرحلة بين عبد وعبد وسيقوم القشيري بشرح ذلك كله من الفصول التالية ) . ونكتفي هنا بالوقوف مع القارئ عند حدود المناجاة المسموح بها ، ويضرب أمثلة مفيدة ومقتضبة لها ، وسبيلنا إلى ذلك تعقب الموضوع خلال مصنفاته ، يقول في لطائفه ( ومن آداب المناجاة أن تعلم وأنت بين يدي مولاك من أنت ؟ ومن تناجى ؟ ومن الرقيب عليك ؟ ومن القريب منك ؟ « 9 » . ثم استمع إليه وهو يقول في كنف :
« وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » .
« أي بما شاء من معلوماته ، والمعنى تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه ، فأي طمع في الإحاطة بذاته وحقه سبحانه ؟ وأنى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عزه أحد ، ولا يدركه أحد » « 10 » . وهذا كلام مهم جدا وواضح جدا ، لأنه يخرس كل المزاعم ويحذف كل التجاوزات ، ويغلق الباب على من يتطاول في حق الصمدانية تحت أي ادعاء ، وهو أخيرا يدافع عن الصوفية أمام أعدائهم ، لأنه يرسم الحدود لمنتهى طموحاتهم . وقد حفظت لنا المصادر أمثلة كثيرة من المناجاة ، ولكنا نكتفي هنا بمثلين فقط :
هامش
( 9 ) اللطائف المجلد الثاني ص 550 . ( 10 ) اللطائف الجزء الأول ص 209 .
نحو القلوب — صفحة 397 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / احمد علم الدين الجندى