نعود إلى الفصلين الخامس والسادس . . لنتحدث هذه المرة عن الإشارة :
يقول الشيخ في الفصل الخامس :
( ونطق القلب إما بلفظ يراعى فيه توقيف الحق ، أو قالة أذن فيها الحق تصريف الخلق ، فالأول ما تسمع بقلبك فتقف عند ذلك بلا تكلف منك ، والثاني ما تناجى به مولاك على مقتضى ما تجد فيه من إشارة البسط ، فأحدهما حال جمع والثاني حال فرق ) .
نطق القلب في نحو الإشارة يناظر ( الكلام المفيد ) في نحو العبارة .
وكما أن هناك عند العباريين متكلما وكلاما فعند الإشاريين السالك والطريق . . فلنتناول الثلاثة بالإيضاح والدراسة :
أولا - الصوفي السالك :
وضح مما سبق أن استقراء كلمات العربية يشير إلى أن هذه الكلمات لا تخضع جميعها بدرجة متساوية لنظام إعرابي واحد ، بل منها ما يخضع ويسمى معربا ، ومنها ما لا يخضع ويسمى مبنيا .
ثم إن المعربات تلتقى في داخل النظام الإعرابى على هيئة فصائل لها إعرابها الخاص ، وهكذا أيضا يلتقى المريدون حول الشيوخ حسب مناهج وطرق .
وكما أن النحاة يرون أنفسهم في مواطن كثيرة وقد توقفوا أمام ، آحاد من الألفاظ يلزم لدراستها وضع نظام مستقل بكل منها بينما ينحاز عن بقية الأتراب ( مثلا : باب المنصوبات فصل ظرف الزمان وظرف المكان ) كذلك أن السالكين لطريق التصوف . . فهم جميعا سائرون على درب الرحلة إلى الحق ، ولكنهم ليسوا في لحظة واحدة على درجة متساوية في الاستعداد الفطري ولا في التخليق ولا في التذوق ولا في التحقق ، ولا في مدى تذويب الإرادة الإنسانية في الإرادة العليا ، ولا مدى الصبر والمثابرة