تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
( نحو القلوب فيه مفيد وغير مفيد ، فغير المفيد ما ليس لله ) وبهذا التلخيص يكون الشيخ قد أرسى في حزم قاطع القواعد الأساسية للموضوع كله . . وبهذا فتح لنا الباب للشرح والدراسة : يميز الصوفية بين شيئين : حقوق الله ، وحظوظ العبد . فلو أراد العبد أن تتحقق له ( الفائدة ) في هذه الرحلة السنية ، وأن يخطو أول خطوة في ( القصد ) إلى الله على نحو سديد فإن عليه أن يرفع هذا الشعار نصب عينيه من أول الطريق إلى منتهاه : مراعاة حقوق الله بأقصى ما في استطاعته ، والتجافي عن حظوظ النفس والدنيا والهوى بأقصى ما في استطاعته . وأي تحيف « * » في هذا ينذر بخراب كل شئ ، وكل غفلة عنه ينبغي تداركها على الفور ، وإلا ولج الشيطان من أضيق المنافذ ، وبدد كل محصول ، ولم تعد هناك ( فائدة ) ترجى حتى على مرأى العين ! إن النفس - في اصطلاح القوم مركز المعلولات : كالحسد والكذب والرياء والخيانة والإعجاب والمساكنة والكبر . . ونحو ذلك . والقلب مركز المحمودات المنجيات من كل ذلك ، والصراع من البداية قائم بين الطرفين قصدا إلى تنقية القلب - خلال المقامات - من كل الكدورات وتنحية قطاع الطريق وتجنب آفات العلائق . . وهكذا يستشرف القلب المنيب السليم من مرحلة ( الروح ) التي هي مركز المحبة ، لأنها جبلت منذ يوم الميثاق على الاعتراف بربوبية الرب « ألست بربكم ؟ قالوا : بلى » ، وعلى حبه ، وعلى العودة إليه مبرأة من كل كدر . وهذه ( الروح ) بدورها تنقى خلال الأحوال : كالرجاء والخوف ، والأنس والهيبة ، والبسط والقبض ، والفناء والبقاء . . . إلخ لتستعد للاستشراف من منطقة أعظم ارتفاعا في المعراج الروحي هي ( السر ) ثم ( سر السر ) حيث البصيرة الكاشفة ، وحيث الأنوار المتتالية ، وحيث المشاهدة والعرفان . . وأخيرا فوق قمة القمم : التوحيد . وهكذا نعود
هامش
( * ) بتشديد الياء وضمها .