« في القلب قوتان : قوة العلم والتمييز ، وقوة الإرادة والحب ، ولهذا كان ( الكمال ) والصلاح باستعمال هاتين القوتين فيما ( ينفعه ) ويعود بصلاحه وسعادته ، فكما له باستعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل . واستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل » « 6 » .
ويبدأ القلب رحلته بالتيقظ ، والاعتزام على نبذ الماضي والفرار من دواعي الدنيا والشيطان - كما أوضحنا . « فإذا صح صدق فراره منهما - كالصبي الذي يفزع مما يفزع منه الصبيان ، فلا يهتدى إلى غير أمه ، فإذا أتى إليها آوته إلى نفسها ، وضمته إلى نحرها وألصقت خده بخدها - كذلك العبد إذا صدق في ابتهاله إلى الله ورجوعه إليه عن مخالفته آواه إلى كنف قربته ، وتداركه بحسن لطفه » « 7 » .
ويعبر سمنون المحب - وهو من أجلة شيوخ الصوفية عن هذه اللحظات . . لحظات بداية التعلق بمحبوبه الأسنى فيقول :
وكن فؤادي خاليا قبل حبكم * وكان بذكر الخلق « * » يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه * فلست آراه عن فنائك يبرح
وإن كان شئ في البلاد بأسرها * إذا غبت عن عيني بعيني يملح
فإن شئت واصلنى وإن شئت لا تصل * فلست أرى قلبي لغيرك يصلح « 8 »
هامش
( 6 ) إغاثة اللهفان لابن القيم ص 13 .
( 7 ) اللطائف ص 310 .
( 8 ) تاريخ بغداد المجلد التاسع ص 237 .
( * ) بسكون اللام .