إلهية تنثال على عبده من الرجاء والخوف والأنس والهيبة والبسط والقبض . . إلخ .
ويجب أن يلتزم العبد أدب ( السكون ) والصمت عندما تتجلى ( الهيبة ) فلا يكون منه أو فيه حس ولا خبر « 11 » . لأنه لم يعد هناك إلا ( واحد ) .
وإذا كانت المناداة محددة بمواقيت ومنازل ومراتب فإن المناجاة لا تخضع لشئ من ذلك لأنها مرتهنة بأفضال الله في البداية وفي الإيقاف وفي الاستمرار . . وأحيانا - وهذه نكبة عظمى على أصحابها - يصدر الأمر بزوالها فترة تطول وقد تقصر . . وقد تتلاشى !
ومع أننا سنعود إلى حديث « المناداة والمناجاة » في فصل قادم إلا أننا نشعر بضرورة الإفاضة هنا في هذا الموضوع حتى يكتمل فهم الفصول التالية مباشرة .
وقد اجتمعت المناداة والمناجاة في قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام :
« وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا » .
ويفسرها القشيري هكذا : « للنجوى مزية على النداء ، وجمع لموسى الوصفين ، النداء في بدايته ، والنجوى والسماع في نهايته ، فوقفه الحق وناداه ، وفي جميع الحالين تولاه » « 12 » .
ومن العبارة الأخيرة يتضح صواب ما استنبطناه من إشارة الشيخ هنا في هذا الفصل : فالمقصود بالمناداة والمناجاة : المقامات والأحوال .
والأحوال تعنى أن العبد في كنف مولاه ، هو الذي يسبغ عليه بمقدار استحقاقه ، فعلى قدر الجهود يكون الجود .
هامش
( 11 ) ترتيب السلوك للإمام القشيري تحقيق بسيوني .
( 12 ) اللطائف ج 2 ص 433 .