تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
وهذه رابعة - بعد أن ملأت الليل كله بالدعاء والاستغفار - يعلو صراخها قائلة : « ما أحوج استغفارى إلى استغفار » ذلك لأنها قد تشعر في بعض الأوقات بدبيب خفى يتسرب إلى أعطافها فيجعلها تشعر أن عملها هو الذي أوصلها إلى شئ ما ، فهي تسرع لكي تطارد هذا الدبيب الخفي ، وتسقط عن نفسها التدبير ، وتمتلئ بحقائق وأفضال التنوير . فالفضل الإلهى - وحده - هو مناط الرجاء في الوصول ، وعمل الإنسان - وإن كان مطلوبا وضروريا - إلا أنه أهل المناجاة ليس ذا بال . لا يكفى عمل العبد ، بل لأن الحبيب هناك ينتظر الوجوه الناضرة التي ستبقى إلى ربها ناظرة . تقول ريحانة - وهي زاهدة عظيمة الشأن عاصرت إبراهيم بن أدهم :
بوجهك لا تعذبني فإني * أؤمل أن أفوز بخير دار وأنت مجاور الأبرار فيها * ولولا أنت ما طاب المزار « * »
فإذا ما سارت المناجاة في طريقها على هذا النحو ضمنت للعبد ألا يتسرب إليه - وهو يحث خطاه - نسيان أو طغيان ، أو تنتابه غفلة أو عصيان ، ويكون المنتهى كما قلنا منذ قليل الوصول إلى التوحيد : « فإذا كوشف العبد بالتوحيد شهد أن القائم عليه والمجرى عليه والممسك له والمتنقل « * * » إياه من وصف إلى وصف - واحد لا يشاركه قسيم ولا يضارعه نديم . ومن علم أنه بالله علم أنه لله ، فإذا علم أنه لله لم يبق فيه نصيب لغير الله ، فهو مستسلم لحكم الله ، لا معترض على تقدير الله ، ولا معارض لاختيار الله ، ولا معرض عن اعتناق أمر الله » « 14 » .
هامش
( * ) بسكون الراء . ( * * ) بضم الميم وتشديد القاف وكسرها . ( 14 ) اللطائف المجلد الثاني .