ذكرتك - لا أنى نسيتك لحظة * وأضعف ما في الذكر ذكر لساني
ويقول الجنيد : « التوحيد قول القلب » :
وينظر الشيخ زكريا الأنصاري إلى ما يجرى على اللسان عنده هذه الطائفة بأنه من قبيل المجاز ، أما الحقيقة فهي لهذا الكلام النفسي الذي ينطق به القلب . ولماذا نذهب بعيدا والدين يرشدنا إلى أن « الأعمال بالنيات » والنيات - بطبيعة الحال - موضعها القلب ، وهي إذا انعقدت على شئ دفعت بالبدن كله إلى ممارسة الفعل . . فهي الأسبق وهي الأخطر .
لماذا تجنب الشيخ استخدام لفظ « الكلام » في نحو القلب ؟
هذا سؤال يطرح نفسه . .
القشيري عالم من علماء الكلام ، وهو يدرك أن « الكلام » على الحقيقة صفة إلهية قديمة قدم الذات كالوحدانية والسمع والبصر والإرادة والعلم والحياة .
ونحن لو تتبعنا دوران مادة ( ك ل م ) في القرآن الكريم لوجدناها تتحدث في غالبية المواضع التي وصلت إلى الخمسين موضعا إما عن الله سبحانه أو عن إنسان في موقف غير عادى مألوف ، أو أن يكون مأذونا به من الرب سبحانه ، أو للموتى . . ونحو ذلك من المواقف غير المألوفة في الطبيعة . لأجل هذا احترز القشيري في استخدامه لفظ البديل واختار قول القلب أو نطق القلب . . ولا ضير على أهل النحو التقليدى أن يستعملوا اللفظ كما جرت أعرافهم . . أما هنا فالدقة واجبة . . لأن التوجه هنا نحو المولى سبحانه ، وظاهرة انتقاء الكلمات هنا بعناية فائقة ملمح من ملامح التأليف في هذا الكتاب . . لأن الاحتشام مطلوب في مقام الملوك !