تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
بالجهل والشطط والبعد عن الجادة ، وأنهم يأمرون تلامذتهم بكسر محابرهم ! وتلعب الصدفة وحدها لتغيير حياته للمرة الثانية . . فقد كان ذات ليلة يحضر مجلس الشيخ أبى على الدقاق الذي كان يتحدث في « علم القلوب » ومذهب أصحاب الأحوال والمذاقات والمواجيد ، والشريعة والحقيقة وما بينهما من تواصل واتصال . . إلخ وإذا بالرجل والحديث يستوليان عليه على نحو عجيب غريب . ولم يستطع بعد ذلك مفارقة هذا المجلس وصاحبه . . وهو يستمع على الدوام إلى هاتف في أعماقه : إنك لهذا خلقت ! وحينما اقترب من الشيخ وبسط له بعض حاله ، وشكا إليه أنه يعجز عن التوفيق بين مجلسه ومجالس العلوم العقلية والنقلية أشار عليه الشيخ أن يواصل إتقان هذه العلوم إلى درجة الاكتمال . . ومن هذه النصيحة نعرف عنصرا مهما في المذهب الصوفي للشيخ القشيري فيما بعد : هو وجوب تصحيح البداية وتكريس الإيمان بقدر الوسع من الثقافة المنقولة والمعقولة قبل الولوج إلى عالم التصوف حتى يكون البنيان سليم الأساس . ومن هنا نعرف أيضا - بالنسبة لكتابنا هذا - أن صاحبه جدير بحمل أمانة علم « كالنحو » ، فهو متقن له أشد الإتقان ، ومتمكن من أصوله وفروعه بقدر يسمح له أن يوظفه لخدمة أرباب الحقائق على نحو مأمون . ولم يستطع الشاب الافتراق عن الشيخ . . وبادله الشيخ حبا بحب ، وأولاه عنايته ورعايته ، وأعجب بسجاياه حتى جاء وقت رضى أن يزوجه بابنته الوحيدة فاطمة التي أنجب منها القشيري ستة أبناء كلهم عبادلة وكلهم أئمة وكلهم من أرباب الأحوال كما أنجب ابنته ( أمة الرحيم ) أم عبد الغافر الفارسي صاحب تاريخ نيسابور الشهير .
نحو القلوب — صفحة 285 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / احمد علم الدين الجندى