وكان أثر الدقاق في القشيري بعيدا جدا ، وآية ذلك أن اسمه لا يغيب عنه في مصنفاته مشفوعا بالتقدير وبالترحم .
وكان زواجه موفقا وحياته الأسرية مستقرة . . الأمر الذي ساعده على أن يكون مفكرا سوى المزاج ، بعيدا عن التعقيدات والصراعات ، واضح الرؤية ، مستمسكا بآداب وقيم حافظ عليها طوال حياته وتظهر جلية في كل مصنفاته .
ثم يأتي التحول الثالث . . وهو هذه المرة يتمثل في قوة غاشمة ظالمة من خارج محيطه العائلى والعلمي والاجتماعي . ذلك أن القشيري - شأن الأشاعرة جميعا - نكبوا ذات يوم نكبة داهمة ، وكان ذلك حينما نجح الوزير اللعين الكندرى في استصدار أمر من السلطان ( طغول ) بسب المبتدعة فأجاز له السلطان ، وإذا بالكندرى يضيف اسم أبى الحسن الأشعري إلى المبتدعة ، ويجرى ذلك على منابر نيسابور في وقت واحد .
وحدثت فتنة هوجاء ، وهاج الناس ، وشارك الجيش في الصدام . . وتعرض القشيري وأصحابه للإهانة والضرب والتعذيب ، وكان صدى هذه الفتنة لدى السلطان - حين تلقاه فاترا ، فخاب أمل الأشاعرة ، ووجدوا أنه من الخير ترك الأهل والديار والنزوح إلى بعيد خارج الوطن .
وهو يشير إلى هذا الذي حدث له من بعيد في بعض مواضع من كتابه هذا خصوصا في فصوله الأخيرة - وقد نوهنا بذلك في موضعه من الشروح .
واستقر المقام بالمنفيين إلى جوار المصطفى الحبيب صلوات الله عليه وسلامه ، وظلوا على هذه الحال عشر سنوات كاملة .
وجاء وقت . . اتفق فيه الجمع على أن يحسموا خلاف الرأي بينهم في العودة أو المنفى عن طريق اختيار واحد منهم يقول كلمته وتكون هي كلمة
نحو القلوب — صفحة 286
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٨٦