للمريدين والسالكين والواصلين . وظل هكذا ينتقل بين الستين فصلا من فصول النحو واضعا نصب عينيه أن يضيف جديدا في كل فصل ، بحيث يكون استجماع هذين المحصولين المتوازيين في نحو اللسان ونحو القلب ثروة ثمينة في نهاية الأمر .
وكأني بالشيخ بعد كل هذه الجهود يريد أن يقول للمريد :
هأنت بعد هذا قد أدركت أن كل صغيرة وكبيرة في علم من العلوم العقلية التي يتحمس لها أهلها لها أصل عندك في علوم الصوفية ، وبكلمات أخرى : فإن علوم الصوفية ليست بدعة . . وإنما هي مستمدة من أصول مألوفة تعارف الناس على احترامها وتقديرها . . وهكذا . . ما يصدق على النحو يصدق على الفقه التفسير والأصول والكلام . . وكل العلوم التي في خدمة الشريعة .
وبالتالي . . فإن الشريعة والحقيقة تتلاقيان ، فهما وجهان لشئ واحد ، فالحقيقة بيت والشريعة بابه ، ولا دخول للبيت إلا من الباب ، فأي تقصير في أحدهما على حساب الآخر « فغير مأمول وغير محصول » ولو وصلت في الكرامة حتى طرت في الهواء أو مشيت فوق الماء فسننظر أولا في موقفك من الشريعة ، وأي تقصير لك فيها ولو في هينة منها يذهب بك وبكرامتك أدراج الريح !
ذلكم هو المقصد الأسمى والأسنى لهذا الإمام الجليل من كل منهجه الإشارى ، اعتراف كامل بفكرة الظاهر والباطن ، وإتاحة الفرصة أمامهما ليتبادلا النفع . . نفع العابدين والسالكين . . بل المتدينين بصفة عامة ، والذائفين بخاصة . وإذا كان توضيح الأمور « الحقيقة » بواسطة علوم « الشريعة » هدفا ، وإذا كان « الحب الإلهى » هو جوهر هذه « الحقيقة » . .
فكأن هذا الكتاب في الواقع إنما جاء لتصنيع فكرة هذا الحب ، وبيان
نحو القلوب — صفحة 279
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٧٩