و « التوكيد » تقريبا وفي كنف ذلك استطاع أن يلم بأطراف التجربة الصوفية كلها بأدق دقائقها - كما يتضح من المتن ومن الشروح . . . فماذا ننتظر من الرجل لإثبات نجاحه أكثر من ذلك ؟ أليست الحقيقة واحدة مهما اختلفت المعارف ؟ ومع أن الشيخ كان يكتفى وهو يورد فقرات النحو الظاهري بسطور قلائل يراها جديرة بالاهتمام لإطلاق الإشارة نحو هدف محدد يفصح عنه أو يلغز . . إلا أن هذا القدر من النحو الظاهري يكفى الآن كي نقتحم به محاولة تيسير النحو ، وتخفيفه من أثقاله التي ينوء بها شبابنا فيزورون عن النحو وعما يتصل بالنحو إذ تنقبض نفوسهم من مناهجه وطرق عرضه ووسائل تطبيقه . . نتصور أنه يمكن الاستفادة من تجربة الشيخ في هذا التخليص كي نعيد تقديم هذا العلم بعد تنقيته من طول ومشقة لا جدوى منهما ، ونكتفي بما يمكن أن نسميه الحد الأدنى والضروري من النحو ، ذلك القدر الذي يعلق بالأذهان ولا يكون قابلا للنسيان عبر الأزمان . . بل يظل نافعا في أمورنا الحياتية عند التحدث وعند الخطاب وعند القراءة والكتابة . . تلك فائدة محققة من هذا الكتاب .
ومع ذلك فإن هذا ليس الهدف من تأليف الكتاب . . فلم يكن في الواقع يطمح إلى زيادة كتب النحو كتابا جديدا فهو يعلم أن مكتبة النحو متخمة . .
إنما كان يهدف حسب خطه الفكري في كل مصنفاته أن يحول العلم إلى عمل ، والنظرية إلى تطبيق ، والمبادئ إلى سلوك . . هذا جزء أساسي في تخطيط تصنيفه . . فكيف تم له ذلك ؟
استحضر الشيخ في ذهنه الجزئية التي يريد أن يتناولها في فصل « النحو » وانتقى من كل التراكمات النحوية الكثيرة ما يكفى لسلامة « اللسان » من الخطأ واللحن ، وأوجز ذلك في عبارات مركزة كأنه يصوغ دستورا ذا مواد محددة ضابطة ، بلا حشو ولا استطراد . ثم صاغ لأجل أهل « القلب » - ما يناظر ذلك تماما - شيئا نافعا في العلوم الصوفية من الناحيتين النظرية والعملية . وخرج من هذا التنظير بشئ ممتع مقنع
نحو القلوب — صفحة 278
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٧٨