يستطرد مفصلا شأن هؤلاء المرادين لهذه المهمة « . . وأكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفى رموزه ، بما لوح لأسرارهم من مكنونات ، فوقفوا - بما خصوا به من أنوار الغيب - على ما استتر عن أغيارهم ، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم ، والحق - سبحانه وتعالى - يلهمهم بما يكرمهم . . فهم عنه ناطقون ، وعن لطائفه مخبرون ، وإليه يشيرون ، وعنه يفصحون . .
والحكم إليه في جميع ما يأتون ويذرون » .
ومن عجيب الأمر أن يطول النفس الإشارى عند الشيخ حتى يتمكن من تفسير القرآن الكريم كله سورة سورة وآية آية ، بل أحيانا يحلل الآية الواحدة إلى كلماتها ، ويصل الأمر ذروته عند البسملة فيفسرها واحدة بعد الآخرى - وهي التي تتكرر في مفتتح كل السور بنفس ألفاظها - تفسيرا متجددا يليق بالجو العام لكل سورة على حدة ، ، والإشارات المنطلقة من كل بسملة بدورها تتجدد على نحو مذهل .
غير أن مقدرته هذه تجد تفسيرا لها في سيرته . . . كما سنرى ، فقد انكب على العلوم العقلية والنقلية ما وسعه ، وثقف على أيدي كبار الشيوخ أمثال الإسفرايينى والباقلاني وابن فورك والدقاق وغيرهم من أئمة نيسابور في أزهى عصورها كما أنه قبل ذلك وبعده أديب . . له شعر خاص وله أسلوب أدبى ممتاز ، ومن هنا تذوقه للشعر خارج البيئة الصوفية والمجلوب للاستشهاد به على الموضوعات الصوفية يأخذ بدوره الطعم الإشارى المعهود ، فنحس أن هذا الشعر المنقول عن المتنبي أو صريع الغوانى أو العذريين قد ارتدى ثوبا جديدا حين ضم إلى الخمريات أو الغزليات الإلهية أو نحوها بحيث تعجز عن تمييزه في السياق الإشارى .
وكتابنا هذا لا يخرج عن ذلك كما سيتضح بعد قليل . .
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذا الاهتمام بالخط الإشارى عند الشيخ في معظم تصانيفه ؟
نحو القلوب — صفحة 275
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٧٥