نابضا بالحياة ، منعشا للفكر والذكر على السواء . ويتلخص منهجه في ذلك في خطوات ثابتة ، فهو بعد أن يعالج الصفة « كالجبار » مثلا من ناحية اللغة حيث يصرفه إلى « جبر الكسر » أو « إلى نخلة جبارة » أي لا تنالها الأيدي أو إلى « الجبروت » والجبروت في حق الخلق مذموم ، وفي حق الله محمود . . يبدأ باتخاذ كل معنى بداية لمعارف مخصوصة تتلاءم وكل وصف ، ثم يرتب على كل صنف من المعرفة سلوكيات مخصوصة أيضا ويبدأ على النحو التالي « ومن آداب من عرف ذلك أن يفعل كذا وكذا . . » .
معنى هذا أن منهجه اتخذ من موضوع نظري جاف اشتجر حوله الخلاف بداية لعلم عملي تطبيقي له جدوى ، ويمكن أن يكون أساسا ركينا في الحياة الروحية للإنسان . فكأن القضية باختصار قد خرجت من نطاق محدود إلى نطاق غير محدود بمقدار ما تتسع آفاق الذكر أمام بصر الإنسان وبصيرته . . وهو بلا شك اتجاه مبتكر استفاد منه الغزالي بعد نصف قرن وهو يضع كتابا حول نفس الموضوع وهو « المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى » إذ اتبع المنهج ذاته وتبنى الغايات ذاتها .
وفي كتابه « المعراج » يتخذ من قصة الإسراء والمعراج إشارات عجيبة ، الهدف منها إعلاء قدر المصطفى هذه المعجزة بطريق مقنع ممتع وهو يتابع كل نقلة من نقلاتها .
أما « لطائف الإشارات » فهو كما يتضح من اسمه يعتمد على استنباط الإشارة من النص القرآني بحيث يضيف إلى تفاسيرنا التقليدية المنكبة على الاشتغال بالعبارة : نحوا وصرفا واشتقاقا ولغة وفقها وأخبارا - أشياء جديدة تغيب كثيرا عن أفهامنا . وهو في مقدمة كتابه يعترف أن هذه ميزة لا يتمتع بها سائر الناس وأنها وقف على أصفياء الله وأوليائه : « . . أودع سبحانه صدور العلماء معرفة القرآن الكريم وتأويله ، وأكرمهم بعلم قصصه ونزوله ، ورزقهم الإيمان بمحكمه ومتشابهه وناسخه ، ووعده ووعيده » . ثم
نحو القلوب — صفحة 274
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٧٤