نفسه ، وسلم من تأثير الأطماع فيه ! أما من التجأ لمخلوق فقد سقط في مهواة من الغلط ، وأحاطت به وافدات المطامع والخواطر .
ثم لاحظ معي كيف ربط القشيري بين مصطلحى ( التجرّد ) في النحو ، و ( التجريد والتفريد ) في التصوف ، وكيف لمح هذا الربط الدقيق الرقيق فأعطى الحركات « 49 » ألوانا ، والمذاقات أنغاما ، وجعلها تدور في أفلاك مهيّمة متيّمة .
وتعال معي لتتسمّع عبور جزئيات ( نحو المباني ) على جسور ( نحو المعاني ) وقد صاحبتها لغة الرمز وذلك حيث يقول :
( ج ) « وحروف القسم تجرّ المقسم به بإضمار فعل . . . . وبعض هذه الحروف أكثر تعرّفا ، وأعم دخولا كالباء ، وبعضها أقل : كالتاء والواو ، وواسطة بين القليل والكثير . والكل حروف القسم .
والإشارة منه : الجميع من جملة الخدم ، ولكنّ منهم من يدخل الدار ويتمكّن في الصدر ، ومنهم من حدّه أن يحضر الباب ويقف من البعد
« قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ »
« 50 »
.
فالقشيرى جسّد لك هذه الحروف ، وكأنّها تتحرك وتحسّ ، فمنها السابق ومنها اللاحق ، ومنها المقبول ومنها المطروح ، ومنها من ينتظر ، ومنها من يترقّب ، ومنها من تتعثر قدمه ، ومنها من تسرع به ، فحروف القسم رموز ليست مقصودة لذاتها ، وإنما هي أناسىّ تتفاوت معادنها ، وتختلف منازلها ، فمنهم من ينادى على الباب ، ومنهم من يناجى على بساط القرب ، فموقف العابد أبواب الخدمة ، ومربع الواجد بساط القربة ، ولا يكون المحجوب عن شهوده كالمستهلك في وجوده .
هامش
( 49 ) حركات الفعل المضارع في : رفعه ونصبه وجزمه ودلالة هذه الحركات على لمحات صوفية .
( 50 ) آية 60 من البقرة .