وقوله :
( ب ) « جواب الأمر والنهى والدعاء والاستفهام والجحد والعرض والتمني بالفاء منصوب ، ويجزم عند حذف الفاء .
والإشار منه : لما حصلت الفاء واسطة بين الجواب وهذه الأشياء ، أخرج الجواب عن واجب استحقاقه إلى صفة أخرى ، فكذلك شرط الواسطة :
تغيّر حكم المدخول عليه ، فمن عاش مع اللّه تعالى بواسطة المعلوم تغيّر عليه حكم ما وجب له عند التفرد عن المعلوم .
أما العيش مع اللّه بلا علاقة فيبقى العبد على ما يجب من تحقيق الوصل في الأصل » .
والقشيري في هذين النصين يستعمل عوامل النصب والجزم وفاء السببية رموزا ليست مقصودة لذاتها ، وإنما تشير إلى هجوم العلائق ووقوع العبد تحت تأثير الحظوظ ، والخنوع في أوطان الجموح في الطريق الصوفي ، ويصور الحياة حين تتجرد من أوشاب الضعف ، وتسمو فوق دنيا الحسّ . وقد وجد أن المظهر الخارجي للقواعد النحوية في هذين النصين نموذج ناقص لعالم الحقائق الكامل ، فحولهما إلى مفاهيم صوفية رائعة ، حتى كاد هذا النحو - الجديد الفريد - يتوغل في النفوس والأرواح جميعا ، ليحلّ المعقّد من قضايا البشر على الأرض بعد أن أفلست الحضارات الوافدة - وهي تشق غبار السنين - وناءت بكلكلها - وهي ترزخ تحت معاول الذل والهوان - فلم تجد طريقا ، ولم تقدّم حلا !
أليس يدعوك ( نحو المعاني ) إلى التحرّر والتجرّد عن رقّ الأشياء ، وإسقاط العلاقات والعائقات ! والتخلص من تأثير المطالبات والإرادات ، لتكون في أقوى حالاتك ، وأسمى نعوتك ، فتصبح عبدا واقفا مع اللّه باللّه ، لا إشراف لأحد عليه ، ولا سبيل لمخلوق إليه ، قد صفّى عن شهود الخلق
نحو القلوب — صفحة 204
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٢٠٤