والمعاني هي المقاييس الحقيقية التي تقاس بها الاشاء ، وكانت شهادة المعنى دائما أصدق من شهادة الحس ، وفي هذا يشير الشيخ أبو مدين رضى اللّه عنه إلى شئ من ذلك :
فقل للذي ينهى عن الوجد أهله إذا * لم تذق ( معنى ) شراب الهوى دعنا
إذا اهتزت الأرواح شوقا إلى اللقا * تراقصت الأشباح يا جاهل ( المعنى )
أما تنظر الطير المقفّص يا فتى * إذا ذكر الأوطان حنّ إلى المغنى
إلى أن قال :
كذلك أرواح المحبين يا فتى * تهزّزها الأشواق للعالم الأسنى
أنلزمها بالصبر وهي مشوقة * وهل يستطيع الصبر من شاهد ( المعنى )
( منية الفقير المتجرد ص 61 )
ولهذا كان سجن المعاني أشقّ من سجن المباني ، وكان تعبير القرآن رائعا عن سجن المعاني وهو يصور واقعة الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حيث
« ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ »
( التوبة 118 ) . فالأرض حولهم فضاء يمشون ويأكلون ويشربون ولكنهم في سجن المعاني مقيدون . فلا المسلمون يكلمونهم ، ولا نساؤهم تقربهم ، والأرض تضيق عليهم ، ونفوسهم كذلك تضيق بهم من الضجر والحرج ؛ لأنهم في سجن بغير حدود أو سدود ، سجن معنوي سجن الأنفس وقيد الأرواح ، وصدق أرسطو حين قال : علل الأفهام أشد منه علل الأجسام » في مثل ذلك يقول المتنبي :
يهون علينا أن تضام جسومنا * وتسلم أعراض لنا وعقول « * »
هامش
( * ) ديوان المتنبي 3 / 386 بشرح البرقوقى .