فأين ( نحو المباني ) من ( نحو المعاني ) حين يلفتك الأخير بشدة عندما ( تجرّد ) الفعل المضارع من النواصب والجوازم ، فتذكر ( تجريد ) ظاهرك عن الأغراض ، وباطنك عن الأعواض ، وسرّك عن الملاحظات ، فلا ترى غيرا ، ولا تراعى خلقا ، متفردا باللّه ، متجردا له .
أما ( نحو المباني ) وأصحابه ، فاستمع إلى رأس أئمتهم بعد سيبويه ، وهو : أبو الحسن الأخفش ت 211 ه . حين يسأله الجاحظ قائلا : أنت أعلم الناس بالنحو ، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلّها ، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها ، وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم ؟ قال : أنا رجل لم أضع كتبي هذه للّه ، وليست هي من كتب الدين . ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه ، قلّت حاجتهم إلىّ فيها ، وإنما كانت غايتى المنالة « 51 » . فهذا رجل على رأس النحاة يشيع في كتبه النحوية الغموض والإبهام حتى يلتمس الناس تفسيرها منه رغبة في المال ، فغرضه من علمه :
كسب مادىّ ، وربح دنيوىّ !
ومن أجل هذا برم الناس من النحو والنحاة ، وهذا أعرابي يقف على حلقة أبى زيد فظن أبو زيد أنه يريد أن يسأل في النحو ، فقال الأعرابي مرتجلا :
لست للنحو جئتكم * لا . ولا فيه أرغب !
أنا مالي ولامرئ * أبد الدهر يضرب
خلّ زيدا لشأنه * حيث ما شاء يذهب
وها هو نحوى كبير يعترف بالضجر والضيق ، من الشوائب التي عكرت صفو النحو ، وما ناله من تعصب النحاة ، وتزمتهم المقيت ، وتكسبهم به .
ويتساءل أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ت 291 ه . عن عاقبة أمره ومصيره أمام اللّه بعد أن اشتغل بهذا النحو . قال ثعلب :
هامش
( 51 ) الحيوان 1 / 91 للجاحظ . تحقيق : الأستاذ عبد السلام هارون .