وإن أصلحت جنانك دون أن تصلح لسانك فذلك كمال دون الكمال ، وإن أصلحتهما معا فهذا كمال الكمال .
وكذلك كل جمال فنى رائع يحصل من : المباني والمعاني معا ، ( ومباني )
التصوف كانت يوما مّا في الأعماق ثم دفعت إلى السطح ، فهي لذلك وثيقة الصلة ( بالمعاني ) التي هي أساس التفكير ومستودع الإلهام ، والمعاني تظهر من خلال المباني ، والأشباح تعظم بشرف الأرواح ، ولون الماء لون إنائه .
على أن ( المباني ) وحدها لا تستطيع أن تحرث في حقل التصوف وإلّا باءت بالفشل والعقم ، لأنها تعنى بالشكل والمظهر ، لا اللبّاب والجوهر .
وصاحب المباني يعتمد على عقله ، وصاحب المعاني يعتمد على ذوقه وكشفه ، وهذا أبو علي الفارسي النحوي قد كان كثيرا ما يتردد في التوجيه النحوي بين المباني والمعاني ، أو بين النحو والذوق الأدبي ، وكان يقول « قسمة الأعشى » يريد بيته المشهور :
فقال ثكل وغدر أنت بينهما * فاختر وما فيهما حظّ لمختار
وكثيرا ما كان المعنى والإعراب يتجاذبان الأسلوب ، فالمعنى يدعو إلى آمر ، والإعراب يمنعه ، من ذلك :
أ - قوله تعالى :
« إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ »
فالمعنى يقتضى أن يتعلق الظرف بالمصدر ( رجع ) ، أي أنه على رجعه في ذلك اليوم لقادر .
لكن الإعراب يمنع منه لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله . والقاعدة :
أن يؤول الإعراب ، وأن نتمسّك بالمعنى ونتقبله . فنجعل العامل فعلا مقدرا دلّ عليه المصدر تقديره : يرجعه .
ب - ومما يصور تشاحن المباني والمعاني قولهم : هذا تفسير معنى ، وهذا تفسير إعراب . فقد ورد في الكافية لابن مالك : ومن الاستثناء ب ( ليس ) قول النبي عليه السلام : يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب .