وأما الآخر : فعارف كشف له عن وسع الكرم فخوطب من حيث أشهد فسمع : ما أوسع برّى « 27 » !
فالصوفى استخرج من الكلمة دلالات وقضايا فائقة رائقة ، وأخذ من أحرفها علوما ، ومن حركاتها وسكناتها فهوما ، ولم يعوّل على المعنى الحرفي ، أو ظاهر النص ، لأنه يعتبرهما مدعاة لقصور الفهم .
ومن الذين تحجّروا على ( المباني وظاهر النص ) ما حدث لليهود وكانوا يعوّلون على المعنى الحرفي كثيرا ؛ لأنهم طلاب مادة ، فقد فهموا من قوله سبحانه :
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ »
« 28 » أن اللّه قد خلق العالم في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع بعد أن تعب من العمل الشديد المضنى في الأيام الستة ، ولكن القرآن سخر منهم لهذا الفهم الحرفي المادي حيث نزل فيهم قوله سبحانه :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ »
« 29 » .
ومن ذلك أن اليهود أيضا حينما سمعوا الآية :
« مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً »
« 30 » قالوا :
« إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ »
« 31 » فهم لم يفهموا ( المقام ) فهما حقيقيا ، بل استغلوا معنى ( المقال ) للمراوغة ، ولكن أبا الدّحداح رضى اللّه عنه كان فاهما ( للمقام والمعاني ) عندما عقب بقوله : « إن اللّه كريم استقرض منا ما أعطانا » « 32 » .
ولم يتنبّه نحاة ( المباني ) إلى معنى المقام ، وإنما الذي تنبّه إليه بحق هم علماء البلاغة ورجال التفسير ، والتصوف . ويذكر الدكتور تمام في كتابه
هامش
( 27 ) منية الفقير المتجرد : ص 9 .
( 28 ) الأعراف 54 .
( 29 ) ق 38 . وانظر تفسير القرطبي . المجلد 17 ص 23 فما بعدها . دار الكتاب العربي . القاهرة 1967 م .
( 30 ) البقرة 245 . والحديد / 11 .
( 31 ) آل عمران : 181 .
( 32 ) اللغة العربية معناها ومبناها 338 دكتور تمام حسان .