أو بالمنطوق ، أو بظاهر النص كما يقول الأصوليون ، بل تخطى المعنى الحرفي ، وضم إليه معنى المقام . أي ما يسمى : بروح النص ، وكان الصوفية يفرقون بين المعنى المقالى ، والمعنى المقامي ، ويغوصون وراء المعنى الدلالى ، وهذا هو معنى : المقام ، وللأسف لم يستطع نحو ( المباني ) أن يفهم المقال في ضوء المقام ، ولهذا كانوا يطلقون على أصحاب هذا النحو :
( أهل صناعة النحو ) فهو مرتبط بطابع الصناعة ، بل ذهبوا إلى ما وراء الصناعة . واستمع معي إلى أبى على الفارسي وهو يتحدث عن ( نحو ) علىّ بن عيسى الرماني ، إذ يقول : لو كان النحو ما يقوله الرماني لم يكن معنا منه شئ ، ولو كان النحو ما نقوله لم يكن معه منه شئ « 25 » . فقد تأثر النحو بروح الفلسفة ، ولهذا ضاق الناس بطريقة النحاة ، وطالبوا بتهذيب النحو وإصلاحه ، أو تركه حتى قال القاسم بن مخيمرة « 26 » .
« النحو أوله شغل وآخره بغى » .
ب - ومن هذا أن ثلاثة سمعوا مناديا يقول : ( يا سعتر برى ) ففهم كل منهم مخاطبة عن اللّه تعالى يخاطب بها في سرّه . فسمع الأول : ( اسع تر برّى ) وسمع الثاني : ( السّاعة ترى برّى ) وسمع الثالث : ( ما أوسع برى ) فالمسموع واحد ، واختلفت أفهام السامعين كما قال سبحانه : « تسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأكل » . .
فأما الذي سمع : اسع تر برّى فمريد دلّ على النهوض إلى اللّه بالأعمال ، يستقبل الطريق بالجدّ ، فقيل له : اسع إلينا بصدق المعاملة تر برّنا بوجود المواصلة .
وأما الثاني : فكان سالكا إلى اللّه طاولته الأوقات فخاف أن تفوته المواصلة ، فقيل له ترويحا على قلبه لما أحرقه نار الشغف : الساعة ترى برّى .
هامش
( 25 ) نزهة الألبا 310 لابن الأنباري . ط حجر 1294 ه .
( 26 ) صبح الأعشى 1 / 171 .