ومن ذلك إعراب ( حيث ) في قوله تعالى :
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ،
فالمتبادر أن ( حيث ) ظرف مكان ، لأنه المعروف في استعمالاتها ، وهو فاسد في المعنى ، إذ المعنى أنه تعالى يعلم المكان المستحق للرسالة ، لا أن علمه في المكان ، فهو مفعول به ، لا مفعول فيه ، وناصبها ( يعلم ) محذوفا مدلولا عليه ب ( أعلم ) . لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به ( مغنى اللبيب 2 / 582 ، 531 ) تحقيق محيي الدين .
وإذا لم تكن مهمة النحوي دراسة معاني الكلام إلا تبعا ، فقد انحصرت مهمته في بيان العلاقات التي تتصل بالبنية اللغوية ، ولهذا يستطيع النحوي إعراب جملة : فعل فاعل فعلا فعيلا في المفعل المفاعل ، لأنه يجد فيها كلاما تاما من حيث العلاقات البنيوية ، وإن كانت لا تحمل معنى . أما في نحو ( المعاني ) فلا إعراب لهذه الجملة عنده لأنها لا تحمل معنى ، وغاية ما يسعى إليه نحو المعاني ، هي ( المعاني ) ذاتها ، لا ( المباني ) ، أو الجوهر لا العرض ، أو المركز لا الهامش .
وإذا كان علماء النحو قد اشترطوا لصحة الإعراب معرفة المعنى ، إلا أنهم لم ينظروا إلى المعاني على أنهّا غايات في نفسها ، بل إنها وسيلة للكشف عن العلاقة البنيوية ، وليس الإعراب عندهم إلا الكشف عن تلك العلاقات البنيوية .
ولما كان الإعراب في حقيقته فرع المعنى ، كان المعنى هو الذي يوجه الإعراب . من ذلك قوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي »
إن كان المراد بالمثانى القرآن . ف ( من ) للتبعيض ، وإن كان المراد به الفاتحة ف ( من ) لبيان الجنس . ( الإتقان في علوم القرآن 1 / 180 مصطفى الحلبي ط 3 ) .
فإذا جعلت الإعراب يوجّه المعنى ، كما إذا علقت ( إلى ) ب ( تكتبوه ) في قوله تعالى :
« وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ »
أفسدت المعنى ، لاقتضائه استمرار الكتابة إلى أجل الدّين ، والصحيح أنه متعلق بمحذوف حال أي : مستقرّا في الذمة إلى أجله . ( مغنى اللبيب 2 / 530 تحقيق محيي الدين ) .