تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

- 2 - [ وفي نحو ( المباني ) يعدّ الإنسان لا حنا إذا . . . ]

وفي نحو ( المباني ) يعدّ الإنسان لا حنا إذا خالف قواعد نحو العبارة ، لأن نحو العبارة نحو ( مبان ) ، بخلاف الصوفي فإنه لا يعدّ لا حنا إذا خالف قواعد هذا النحو العبارى ، لأن نحو الإشارة نحو ( معان ) ، كما أن للصوفى إشاراته التي تعصمه من هذا الخطأ وذلك الزلل ، وإن بدا أنه لحن ، وقد لحّنوا أبا حنيفة - وكان في الفتيا ولطف النظر واحد زمانه ، وسأله رجل فقال له : ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله . أتقيده به ؟ قال : لا ، ولو ضربه بأبا قبيس « 24 » ؛ لأنه كان يتكلم على مستوى نحو ( المباني ) ، لكن لو قالها إنسان في مقام آخر ، كما إذا قالها صوفي في ذروة صفائه لا يعدّ لا حنا ، لأنه ينطق بها من فوق مناطق عليا ، وهيهات أن تصل إليها معيارية النحاة . والعبد يفهم من ( المعاني ) على قدر مقامه عند اللّه ، وليست المعاني عملا عقليا يرتكز على المهارة والذكاء ، وإنما هي فضل إلهي ، ولا تتاح إلا لمن أوتى حظا من صفاء البصيرة . والصوفي لا يشغله ظاهر اللفظ ومبناه ، وحسنه ومغناه ، بل يمرق منه إلى بواطن المعاني وما وراءها . من ذلك : أ - أنه قرىء على الشيخ مكين الدين الأسمر رضى اللّه عنه قول القائل :
لو كان لي مسعد بالراح يسعدني * لما انتظرت لشرب الراح إفطارا الراح شئ عجيب أنت شاربه * فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا يا من يلوم على صهباء صافية * كن في الجنان ودعني أسكن النارا
فقال أحد الحاضرين : لا تجوز قراءة هذه الأبيات ، فقال الشيخ مكين الدين للقارئ : اقرأ ، هذا رجل محجوب . فالشيخ لم يكتف بمعنى ( المباني )
هامش
( 24 ) البيان والتبيين للجاحظ 2 / 212 تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون .