ومن أجل هذا انحرف النحو العربي عن وظيفته ، وتنكب منهج النحاة سبيل ( المعاني ) حتى اتسمت الدراسات النحوية بسمة الاتجاه إلى ( المباني ) . ولم يكن قصدها إلى ( المعنى ) إلا في المنزلة الثانية من عنايتهم ، فلم يهتموا كثيرا بالمعاني التركيبية ، ولم يفطنوا إلى أهمية الظواهر السياقية في تحديد المعنى النحوي ، ففصلوا دراسة ( المعاني ) عن النحو وألحقوها داخل علم من علوم البلاغة يسمى ( علم المعاني ) فقطعوا أوصالها ، وأىّ شئ يبقى للنحو إذا درست قضاياه ومسائله بمعزل عن تلك ( المعاني ) ؟
وإحقاقا للحق لم يتنبه أحد إلى تناول هذه المعاني في النحو غير رجلين : أولهما ابن جنىّ ، وثانيهما عبد القاهر الجرجاني :
أما الأول « 20 » فيرى : « أن العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الإعراب لصحة المعنى » .
ويقول أيضا « 21 » : « فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى ، فهو ما لا غاية وراءه ، وإن كان تقدير الإعراب مخالفا لتفسير المعنى ، تركت تفسير المعنى على ما هو عليه ، وصّححت طريق الإعراب .
وأما الثاني فقد رسم طريقا جديدا للبحث النحوي ، حيث تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب ، وبين أن للكلام ( نظما ) وأن رعاية هذا النظم هي السبيل إلى الإبانة والإفهام ، وأنه ليس شئ من هذا النظم إلا وبيانه إلى علم النحو ، يقول عبد القاهر موضحا فكرته في كتابه دلائل الإعجاز « 22 » :
« واعلم أنه ليس ( النظم ) إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو . . . فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه إن كان
هامش
( 20 ) المحتسب 2 / 211 ط المجلس الأعلى . القاهرة .
( 21 ) في كتابه الخصائص 292 ط الهلال .
( 22 ) 61 ط الثانية .