تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو القلوب — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
والإنسان في عالمه إما مؤثر وإما متؤثر ، أو إما أن يقوم بالحركة بنفسه وإما تحصل له من غيره ممن يعيش معه أو من عناصر الطبيعة من : رعد ومطر ونار . . . ( والعربي لما رأى في عالمه أبعادا ثلاثة بنى لغته على ثلاث حركات أيضا : 1 - الفتح : وهو ما صدر عن إرادتك مثل : ضرب خرج قطع أكل . . 2 - الكسر : وهو ما صدر عن العالم الخارجي مثل : مرض حزن عطش سقم . فالفعل مكسور العين وقد دل على كل ما يحصل للفاعل بدون إرادة منه . 3 - الضم : وهو يشير إلى التجمع والكثرة والثبات مثل : حسن كبر . . وهو يشير إلى حصول الشئ للفاعل بكثرة ودوام ( اللسان العربي ) . إذن الحركات قصيرها وممطولها لا يرجع عامل الاستحسان والاستخشان ، أو الثقل والخفة فيها أو اختلاف الدلالة عليها إلى عوامل ظاهرية فحسب وإنما ترتبط بعوامل أخفى وأدق : صوتية عضلية فيزيائية كيميائية نفسانية ، وهي التي تجعل الصيغة تؤثر حركة على أخرى . وكلما ازدادت الحركة شبها بالمعنى كانت أدل عليه ، وأشهد بالغرض منه . ومن هنا كانت قفزتنا ولفتتنا چين جعلنا رحما وثيقة بين عالم الأصوات في حركات المدّ واللين وبين عالم الأرواح والأسرار ، حيث كنا نتعامل مع حركات المدّ : الواو والألف والياء ملاحظين أنغامها وأجراسها ورنينها وتفاعلاتها على اعتبار أنها تمثل خلية تنمو وتتطور ، وترسل وتتقبل وتنبسط وتتحجر . كما ظهر أن تلك الحركات عندما تختلف على الصيغة فإنها تؤلف نمطا منسجما يتواكب مع المعاني . وهذه المساوقة بين الحركات ومعانيها تعد نمطا فريدا لسياسة الحروف والحركات في العربية ، وهي في ذلك لا مثيل لها في اللغات ، حيث تمتاز بحساسية وطواعيه للتعبير عما يدور في النفس من خلجات وأفكار .