ما رأيت أعبد من النوري ، قيل : ولا الجنيد . قال : ولا الجنيد .
وقال النوري : كانت المراقع غطاء على الدر ، فصارت اليوم مزابل على جيف .
وقيل : كان يخرج كل يوم من داره ، ويحمل الخبز معه ، ثم يتصدق به في الطريق ، ويدخل مسجدا يصلى فيه إلى قريب من الظهر ؛ ثم يخرج منه ويفتح باب حانوته ، ويصوم « 1 » .
فكان أهله يتوهمون أنه يأكل في السوق ، وأهل السوق يتوهمون أنه يأكل في بيته .
وبقي على هذا « 2 » في ابتدائه عشرين سنة « 3 » .
أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء
بغدادي الأصل ، أقام بالرملة ودمشق . من أكابر مشايخ الشام . .
صحب أبا تراب ، وذا النون ، وأبا عبيد البسرى : وأباه يحيى الجلاء .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت محمد بن عبد العزيز الطبري يقول : سمعت أبا عمر الدمشقي ، يقول : سمعت ابن الجلاء يقول :
قلت لأبى وأمي : أحب أن تهبانى للّه عز وجل . فقالا : قد وهبناك للّه عز وجل .
فغبت عنهما مدة ، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة ، فدققت الباب ، فقال لي أبى : من ذا ؟ قلت : ولدك أحمد .
فقال : كان لنا ولد ، فوهبناه للّه تعالى ، ونحن من العرب لا نسترجع ما وهبناه .
ولم يفتح لي الباب .
وقال ابن الجلاء : من استوى عنده المدح والذم ، فهو زاهد . ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد ، ومن رأى الأفعال كلها من اللّه ، فهو موحد لا يرى إلا واحدا .
ولما مات ابن الجلاء نظروا إليه ، وهو يضحك : فقال الطبيب : إنه حي .
ثم نظر إلى مجسته فقال : إنه ميت . ثم كشف عن وجهه ، فقال : لا أدرى أهو ميت أم حي . .
هامش
( 1 ) بقية يومه .
( 2 ) وفي نسخة أخرى « وبقي على هذا النهج » أي الطريق : وهو أخفاء حاله في عبادة ربه
( 3 ) ومن كلامه :
« من وصل إلى وده ، أنس بحبه . . ومن توصل بالوداد ، فقد اصطفاه اللّه من بين العباد » .
« نعت الفقير السكون عند العدم ، والبذل والإيثار عند الوجدان » . .