قال : فأقبلت عليه بوجهها وأنشأت تقول ( وافر ) :
كلانا مظهر للناس بغضا * وكل عند صاحبه مكين
291 قال فلمّا سمع شعرها غشى عليه . فحرّكته وحرّكه من كان عندها ، فلم يفق فظنّ من كان عندها وظنت أنّه قد مات . فقام القوم عنه خوفا أن يقال « قتلوه » فلمّا خرج القوم ، قعدت « 1 » عند رأسه تناديه ولا يجيبها .
فما شكّت أنه « 2 » قد مات . فلما كان في آخر النهار أفاق وكأنه قد نشر من القبر . /
292 ففتح عينه . فإذا ( بها ) عند رأسه تبكي ، وجعل يبكي معها ، فقالت له « يا حبيبي وأملي ومنيتي ما الذي عراك « 3 » منذ اليوم ومم بكاؤك ؟ » فقال « أما بكائي يا أملي فانّى رأيتك تبكين فبكيت لبكائك . وأما ما أصابني .
والذي أسأله أن لا يفقدني النظر إليك ، ما كان إلّا لإعراضك عني وإقبالك على غيرى » وأنشأ يقول ( طويل ) :
أحبّك حبّا لو تحبين مثله * أصابك من وجد علىّ جنون
لطيف مع الأحشاء أمّا نهاره * فسكب وأمّا ليله فأنين « 4 »
قال : فقالت « يا حبيبي ، والذي أسأله أن يمتّعني بالنظر إليك طول الدهر ، ما أظن أنك تضمر لي من الحبّ شيئا إلّا وعندي أكثر ولا تجد بي إلّا دون ما أجده بك . وإنّي أعطي اللّه عهدا أنى « 5 » ( لا ) جلست مع رجل سواك حتّى أذوق الموت ، إلا أن أكره على ذلك / بأمر لا بدّ لي من المصير إليه .
293 فكان أول استحكام أمرهما منذ هذا الوقت . ففارقها وهو أعظم الناس مصيبة وأنشأ يقول ( طويل ) :
أظنّ هواها تاركي بمضلّة * من الأرض لا مال لدىّ ولا أهل
ولا أحد أوصى إليه وصيتي * ولا وارث إلّا المطية والرحل
محا حبّها الألى كنّ قبلها * وحلّت محلّا لم يكن حلّ « 6 » من قبل
هامش
( 1 ) فغدت
( 2 ) فما سكنت
( 3 ) مالدى عداك
( 4 ) يرد البيت في ديوان المجنون على هذا النحو « وصرت بقلب عاش اما نهاره - فحزن وأما ليله فأنين ( ص 267 ) »
( 5 ) ان انا
( 6 ) جله والتصويب عن ديوان مجنون ص 216 .