وما فيها ، لم يشتاقوا ، فكيف يحبّون « 1 » الدنيا ، وقد زهّدهم فيها ؟ » قال فحدّثت به أبا سليمان فقال « لو ذمّ لهم ؟ » قلت « كذا » قال « واللّه لقد شوّقهم إليها فما اشتاقوا إليها .
269 وعن حذيقه قال : أتيت الرّقة أريد أبا أحمد الرّقى . فرأيت ابنا له جاء فمسح رأسه . قلت « أتحبّه ؟ » قال « ما أحبّ مع اللّه شيئا ولكن أرحمه » قال صاحب الكتاب : ولو اتبعنا مثل هذه الحكايات ، لكثرت . وفيما ذكرناه كفاية وعنية « 2 » .
الباب « 3 » الحادي عشر : في افعال المحبة وشواهدها
270
الفصل الأوّل في قول الفلاسفة
سئل أرسطاطاليس عن السبب الذي يكون منه فساد العقل من العشق .
فقال « السبب فيه يبس الدماغ لذهاب النفس وفقد العزاء / والاختلاط » فقال له كيباس « أيّها الحكيم بيّن لنا السبب الذي منه يبس الدماغ ، فيورثه يبسه فساد العقل » فقال « إن التمادي في الطمع يحرق الدم ، فإذا احترق استحال إلى السوداء « 4 » . فإذا قويت السوداء ، أورثت فكرة غالبة . فإذا جالت الفكرة في الأسباب التي لا يقدر عليها ، استعرت « 5 » الحرارة والتهبت الصفراء .
فإذا احترقت تكدّرت واستحالت إلى الفساد ؛ فإذا فسدت مالت إلى السوداء فصارت مادّة لها و + تفور « 6 » .
271 فقال له اسيوس « أخبرنا عن سبب اختلاط العقل من العشق » فقال « إنّ من شأن السوداء إفساد الفكر . فإذا فسدت الفكرة اختلطت الكيموسات بالفساد الواقع . فإذا قوي الفساد ، هاج الاختلاط ؛ فعند ذلك يكون نقصان العقل ورجاء ما لا يكون . فإذا بلغ النقصان في العقل غايته من قبل يبس الدماغ ، أورث / الجنون . فإذا استحكم ، بعث صاحبه على قتل نفسه .
وإنّما يموت فجأة من تراكم الغمّ وطول الفكرة والاستيحاش « 7 » من الناس .
هامش
( 1 ) يحنون
( 2 ) عنيه
( 3 ) الفصل
( 4 ) السواد
( 5 ) استعره
( 6 ) تفوز
( 7 ) الاميحاشى .